وقد ذهبَ - من المحدَثين - الأُستاذ محمد علي النجار في هذا النصِّ مذهبًا آخرَ يقومُ على زعمِ صورةٍ أصلٍ له، إذ قال (( والأصلُ:(عنِ اليمين قعيدٌ، وعنِ الشمال قعيدٌ) ، فحُذِفَ أحدُهما )) [1] .
ولا ريبَ في أنَّ عبارةَ النصِّ - وهي الأصلُ - أبلغُ نظمًا، وأوفَى دَلالةً. فالجمعُ والتشريكُ بـ (الواو) ، وجعْلُ الخبرِ كأنه واحدٌ بوساطةِ هذه (الواو) للمبتدأ: (قعيدٌ) أوْلى في الدلالةِ من هذا الزعمِ واللهُ أعلم.
12 -قوله تعالى: [وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا] [النور/31] .
قال الأُستاذ عبد القادر السعدي: (( إنَّ في الآيةِ مضافًا محذوفًا. والأصلُ:(ولا يُبدينَ مواضعَ زِينتِهنَّ) ، فحُذِفَ المضافُ وأقيمَ المضافُ إليه مقامه )) [2] .
والأَوْلى والأصوبُ التزامُ نظمِ النصِّ، وهو الأصلُ، لا اعتمادُ صورةٍ أُخرى له، فلكلٍّ منهما دَلالةٌ. ولا ريبَ في أنَّ دلالةَ النصِّ الأصلِ هي الأولى بالالتزام. قال الزمخشريُّ: (( الزينةُ ما تزيَّنتْ به المرأةُ من حُلى، أو كُحْلٍ، أو خِضابٍ، فما كان ظاهرًا منها كالخاتم، والفَتْخَةِ، والكُحْلِ، والخِضابِ فلا بأسَ بإبدائِه للأجانبِ، وما خَفِي منها كالسُّوارِ، والخَلْخَالِ، والدُّمْلَجِ، والقِلادةِ، والإكليلِ والوِشاحِ، والقُرْطِ، فلا تُبديه إلاَّ لِهؤلاءِ المذكورين. وذَكَرَ الزينةَ دونَ مواقعِها للمبالغةِ في الأمرِ بالتصوُّنِ والتستُّرِ، لأنَّ هذه الزِّيَنَ واقعةٌ على مواضعَ من الجَسَدِ لا يَحِلُّ النظرُ إليها لغيرِ هؤلاءِ، وهي: الذراعُ، والساقُ، والعَضُدُ، والعنقُ، والرأسُ، والصدرُ، والأذُنُ، فنُهِيَ عن إبداءِ الزِّيَنِ نفسِها ليُعلَمَ أنَّ النظرَ إذا لم يَحِلَّ إليها - لِمُلابستِها تلكَ المواقعِ، بدليلِ أنَّ النظرَ إليها غيرَ مُلابسٍ لَها لا مقالَ في حِلِّهِ - كان النظرُ إلى المواقعِ أنفسِها متمكِّنًا في الحظْرِ، ثابتَ القدمِ في الحُرمةِ، شاهدًا على أنَّ النساءَ حَقُهُنَّ أنْ يَحْتَطْنَ في سَترِها، ويتَّقِينَ اللهَ في الكشفِ عنها ) ) [3] .
(1) معاني القرآن، الفراء193:2 (هامش التحقيق) . وقد آثرتُ ذكرَ هذا الزعم هنا على الرغمِ من تأخر صاحبه وكونه محدَثا، بيانًا للاستمرار في فكرة تخيل صورةٍ أصلٍ للنصِّ القرآني، حتى عندَ المتأخرين والمحدَثين. كما أن من تناول هذا النصَّ من القدماء لم يقل: (والأصل فيه ... ) بجعْلِ صورة أصل له، على الرغم من قولهم بالتقدير فيه. ينظر مثلا: تفسير القرطبي12:17. وتفسير النسفي172:4. وتفسير أبي السعود129:8. وفتح القدير106:5.
(2) أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية218. وهذا رأيه الخاص.
(3) الكشاف286:3.