إلى غير ما سيقَ النصُّ لأجلِه، على وفْقِ ذلك التفصيلِ الذي مرَّ في البحث كانت زبدةُ المخضِ ما يأتي:
1.لا يُمكنُ الاحتجاجُ بأنَّ وقوعَ الحذفِ في القرآن الكريم بِمعنى (الإسقاط) يؤيدُه القرآنُ نفسُه بِمسوِّغِ أنَّ ذكْرَ نصَّين متماثلَيِ النظْمِ، متشابِهَي السياق - قد ذُكرت في أحدِهما كلمةٌ ما، ولم تُذكر في الآخر - هو ذريعةُ هذا الاحتجاج. فهذا ليس بالدليلِ المقنعِ، ولا المقبول. لأنَّ لكلِّ نصٍّ خصوصيتَه، ولكلِّ نظْمٍ وكلمةٍ وسياقٍ قصْدٌ بعينِه، ودلالةٌ مرادةٌ، واللهُ أعلم.
2.ثَمةَ رياضةٌ ذهنيةٌ، وفذلكةٌ في التحليل نشأت من نَهجِ سبيلِ القولِ بالحذف. وقد أدَّى هذا الأمرُ إلى ادِّعاءِ أنواعٍ للحذف في القرآن الكريم، هي: (الاقتطاع) ، و (الاكتفاء) وهو غيرُ ما استعملتُه مؤدِّيًا دلالةَ مصطلحِ الحذفِ عند النحويين، بل هو ما يختصُّ غالبًا - كما يُرى - في الارتباط العطفي، وقد بيَّنتُه في موضعِه، و (الاحتباك) و (الاختزال) . وقد بان أنَّها من الضعفِ بِمكانٍ مِما لا يُمكنُ الركونُ إليه. وهي إلى كونِها من الولَعِ بِمنهجِ القولِ بالحذف والتقدير أقربُ منه إلى كونِها مِما يقتضيه النصُّ.
3.القولُ بالحذف والتقدير يَمسخُ الدَّلالةَ في طائفةٍ من النصوصِ القرآنية، ويعدِلُ بِها إلى غير ما سيقتْ لأجلِه، ويزيدُ في الدَّلالةِ ويُقحمُ فيها ما ليس فيها في طائفةٍ أُخرى.
4.لا يُمكنُ قبولُ تحليل بعضِ النصوصِ القرآنيةِ - مع القولِ بالحذف والتقدير - بِموجبِ الذهابِ إلى أنه (( لا يستقيمُ المعنى إلاَّ بتقديرها ) ) [1] ، كما يقولُ الزمخشريُّ. فألفاظُ القرآنِ الكريم (كتاب الله) منساقةٌ لدلالاتِه، ودلالاتُه منساقةٌ لألفاظِه. وكلُّ شيءٍ فيه: لفظه ومعناه، قد جاء لحكمةٍ، وبقدْرٍ لدلالةٍ مقصودةٍ دون سواها، مع ما تكتنفُه من معانٍ إيحائيةٍ ظلاليةٍ. فإنْ أدركناها فقد ظفرنا، وإن لَّم ندركْها، فليس لأنه لا حكمةَ هناك، بل لأننا قد جهلنا. كما يقولُ الخطيبُ الإسكافيُّ [2] .
(1) الكشاف224:3. وينظر: متن الهامش (4) في الصحيفتين (38) و (120) من هذا البحث.
(2) ينظر: درة التنزيل20 - 21.