بِمعناهُ وأسلوبِه، بوقْعِه الأخَّاذِ، بصُوَرِه التي يَكِلُّ القلمُ عن تصويرها بالكلماتِ القاصرةِ المتواضعةِ، فأنَّى للمخلوق أن يصِفَ كلامَ خالقِه!!
انطلق ابنُ المغيرةِ إلى مجلسِ قومِه بني مخزومٍ، فقال: (( واللهِ لقد سمعتُ من محمدٍ - آنفًا - كلامًا ما هو من كلامِ الإنسِ، ولا من كلامِ الجِنِّ، وإنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوةً، وإنَّ أعلاهُ لمثمرٌ، وإنَّ أسفلَه لمُغْدِقٌ، وما هو بقولِ البشر ) ) [1] .
فللقرآنِ الكريم - وهو بِهذا الإعجاز الذي جعلَ ابنَ المغيرةِ، بجاهليَّتِه، منصتًا إلى ما جاء منه بإعجابٍ وإجلالٍ أخذَا بِلُبِّه وتفكيرِه - مزيَّةٌ على ما سواه من المعجزات التي أيَّدَ بِها اللهُ تعالى أنبياءَه ورسلَه (عليهم السلام) ، تتمثَّل بأنه كلامُ الله تعالى الذي (( لا يشبِهُ كلامَ الخلقِ، كما لا يشبهُ أفعالُه أفعالَهُم. ولهذه العلَّةِ وأشباهِها لا يبلُغُ أحدٌ كُنْهَ معنى حقيقةِ تفسيرِ كتاب الله تعالى وتأويلِه إلاَّ نبيُّه وأوصياؤُه ) ) [2] ، بأمر الله تعالى وتوفيقه، ومصداق هذا الأمر قولُه تعالى: [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ] [آل عمران/7] .
لقد كان العربُ (( لا يسمَحونَ لأنفسِهم بالاستِماعِ إلى القرآن إحساسًا منهم بأثرِه الهائلِ، وخوفًا من قدرتِه الفائقةِ على تغيير نفوسِهم. وهذا دليلٌ على التميُّزِ الهائل للبيانِ القرآني، وعدم كونِه استمرارًا متطوِّرًا لِمَا ألِفُوه ) ) [3] .
وبسببٍ من هذا الواقعِ سيَبقى القرآنُ الكريمُ معينًا زاخرًا، ومصدرًا وافرًا للبحث والدراسة وطرْحِ الرؤى.
ونتيجةً لِهذه الحقيقةِ فإنَّ الشوطَ التفسيريَّ لا يقفُ (( عند مفسِّرٍ معيَّنٍ يكونُ كلامُه هوَ الحقَّ، وما سواهُ باطلًا، أو أنَّ ما يصِلُ إليه هو الحقيقةُ المطلقةُ التي ليس وراءَها حقيقةٌ أخرى. إذ لا معنى لفصْلِ الخطاب .... في حركةِ التفسيرِ ما دامَ التفسيرُ يتحرَّكُ في إطارٍ اجتهاديٍّ .... وإنَّ جميعَ الاجتهادات
(1) المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ابن الأثير 108:2. وينظر: أعلام الورى، الطبرسي 42. والبداية والنهاية، ابن كثير 78:3.
(2) الآيات الناسخة والمنسوخة، الشريف المرتضى، تح: علي جهاد الحساني 58. وينظر: إعجاز القرآن، الباقلاني، تح: أحمد صقر 25. ودرة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب الإسكافي، تح: عبدالمعطي السقا 20 - 21. والجمان في تشبيهات القرآن، ابن ناقيا البغدادي، تح: د. أحمد مطلوب ود. خديجة الحديثي 50.
(3) المُرسِل - الرسول - الرسالة، السيد محمد باقر الصدر 70. وينظر: أثر القرآن الكريم في اللغة العربية أحمد حسن الباقوري 11 - 12 و 23 - 24.