قريبٍ ولا من بعيدٍ. وقد عدَّ ابنُ هشامٍ تقديرَ: (والبرد) (( فضولٌ في فنِّ النحوِ ) ) [1] ، إلاَّ أنه سوَّغه للمفسِّر، وليت شعري أيمكن للمفسِّر أنْ ينظرَ إلى الآيةِ بمعزلٍ عن نظمها والظروف التي سيقت فيها، والعلةِ التي وردت لأجلها كي يكونَ له ما لا يكونُ للنحويِّ؟! هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى فإنه يُقال لمن يدَّعي تقديرَ (والبرد) وأنَّ في الآيةِ (حذفَ اكتفاء) : (( كيف قلتَ: إنَّ ما يقي الحرَّ يقي الحرَّ والبردَ، ومن المعلوم خلافُ هذا، فإنَّ الحرَّ يُتوقَّى بالثوب الواحد، وليس كذلك البرد؟ ولعلَّ معنى الآيةِ أنَّ الله تعالى لمَّا ضمَّ إلى الحرِّ البأسَ بقوله جلَّ جلالُه: [سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ] [النحل/81] والبأسُ مناسبٌ للحرِّ، فاقتصر على ما يناسبُه. أو لعلَّ أهلَ تلك البلادِ الغالبُ عليها الحرُّ .... أو لعلَّ المرادَ أنه تعالى لمَّا ذكرَ الأصوافَ والأوبارَ والأشعارَ التي تقي البردَ ذكر ههنا ما يقي الحرَّ من السراويل ) ) [2] .
وجعلَ كلٌّ من البغَويّ والقرطبي من هذا النوعِ من الحذف قولَه تعالى: [بِيَدِكَ الْخَيْرُ] [آل عمران/26] ، فذهبا إلى أنَّ المحذوفَ من هذا النصِّ الكريم هو (والشرُّ) ، (( أي: بيدِكَ الخيرُ والشرُّ ) ) [3] .
ولعلي أجدُ أنه من مسْخِ الدلالةِ السامية أنْ يُقالَ بِمثلِ هذا الحذف وهذا التقدير، إذ إنه - قبلَ كلِّ شيءٍ - ليس من باب اللياقةِ والأدبِ أنْ نقدِّرَ (والشر) ، بِمعنى: (بيدكَ الشر) ، فالشرُّ من عندِ أنفسِنا نحن، نفعلُه اختيارًا بما منحنا الله تعالى إياه من إرادةٍ وقدرة. وما الدَّاعي إلى زعمِ محذوفٍ في هذه الآية بحجةِ العطفِ الارتباطي، وهي حجةٌ لا دليلَ على وهنِها أقوى منها هي نفسِها؟! وهل يمكن بِموجبِها جعْلُ كلِّ ما يمكن العطفُ عليه مما يرتبطُ معه في الضِّدِّية من هذا النوع؟!
إنَّ مما يُبطلُ هذا التوجيهَ أو التقديرَ، ويدلُّ على فسادِه هو أننا نرى أنَّ الشرَّ يُدفعُ دفعًا مقصودًا عنِ الله تعالى في القرآن الكريم، كما في قولِه تعالى: [وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ
(1) مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تح: محمد محيي الدين عبدالحميد 650:2.
(2) سعد السعود، السيد علي بن طاووس الحلي 362 - 363.
(3) تفسير البغوي (لباب التأويل في معالم التنزيل) ، الحسين بن مسعود البغوي23:1. وينظر: تفسير القرطبي
(الجامع لأحكام القرآن) ، محمد بن أحمد القرطبي، تح: أحمد عبد العليم البردوني 55:4. والإتقان163:2.