والراجحُ أنَّ من ذهبَ إلى هذا الرأي في قولِه تعالى: [وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ] [المائدة/6] قدِ استشفََّ مما تُوحِي به هذه الآيةُ من دلالةٍ وهو (التبعيض) الذي تدلُّ عليه (الباءُ) [1] ، وهو معنى تُوافِقُ فيه (الباءُ) الحرفَ (مِنْ) التبعيضيِّ، في حين (( جعلها قومٌ زائدةً، وجعلها قومٌ للإلصاق على الأصل، وقال بعضُهم: إنَّها(باءُ) الاستعانةِ، فإنَّ (مسحَ) يتعدَّى إلى مفعولٍ بنفسه، وهو المُزالُ عنه، وإلى آخرَ بحرفِ الجر، وهو المُزيلُ، فيكونُ تقديرُ الآيةِ: فامسحُوا أيديَكم برؤوسِكم )) [2] .
يتضح مما سبق أنَّ ما عُرِفَ بـ (حذف الاقتطاع) لا يمكن التسليمُ بوقوعِه في القرآن الكريم. فالقولُ به واهٍ واهنٌ، ومما تجدُرُ الإشارةُ إليه أنَّ ابنَ الأثير قد (( أنكر ورودَ هذا النوعِ في القرآن ) ) [3] .
2 -الاكتفاء:
إنَّ ما أراهُ مؤدِّيًا دلالةَ مصطلح (الحذف) ، وهو (الاكتفاء) ، إنَّما عَنَيتُ به: اكتفاء النظم بما هو ظاهر منطوقٌ به، أو مقروءٌ، وما يكتنفه هذا النظمُ من معانٍ باطنةٍ تُفهَمُ في حدودِ هذا الظاهرِ، لا أنه غير مكتفًى به وأنَّ فيه حذفًا لا بدَّ من تقديره.
أما هذا (الاكتفاء) ، وهو النوعُ الثاني مما يُسمى بـ (الحذف) فمعناه: (( أن يقتضي المقامُ ذِكرَ شيئين بينهما تلازمٌ وارتباطٌ فيكتفي بأحدهما عن الآخر لنكتةٍ، ويختصُّ غالبًا بالارتباطِ العطفيِّ ) ) [4] ، وقد جُعِل منه قوله تعالى: [سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ] [النحل/81] ، إذ ذكر السيوطيُّ أنَّ في الآيةِ محذوفًا تقديرُه: (( والبرد، وخُصَّ(الحر) بالذكر لأنَّ الخطابَ للعرب، وبلادُهم حارَّةٌ، والوقايةُ عندهم من الحر أهمُّ، لأنه أشدُّ عندهم من البرد )) [5] ، وما يَلْفِتُ النظرَ ويستثيرُ العجبَ أنَّ هذا الارتباطَ العطفيَّ إنَّما هو أمرٌ مزعومٌ لا ذكرَ له في الآية الكريمةِ، فكيف يصِحُّ زعمُه كما مرَّ، وإذا كان الحرُّ قد خُصَّ بالذكْرِ لِما مرَّ من تسويغٍ ذكَرَه السيوطيُّ، فأنَّى للبردِ أنْ يُقدَّرَ فيما لم يخصص له البتةَ، لا من
(1) ينظر: سر صناعة الإعراب، ابن جني، تح: حسن هنداوي 123:1. وأوضح المسالك، ابن هشام، تح: محمد محيي الدين عبد الحميد 37:3.
(2) الجنى الداني في حروف المعاني، الحسن بن قاسم المرادي، تح: د. فخر الدين قباوة ورفيقه 44.
(3) الإتقان 162:2.
(4) الإتقان 163:2. وينظر: أسرار التكرار في القرآن 54. والبرهان 118:3.
(5) الإتقان 163:2. وينظر: متشابه القرآن، ابن شهرآشوب المازندراني 13:1.