في أنواع الحذف:
ذكر السيوطيُّ أنَّ للحذف في القرآن الكريم أنواعًا أربعةً، رأيتُ أنه من اللازم إيرادُها - هنا- ودراستُها في ضوءِ العرض والنقد والتوجيه، وهي:
1 -الاقتطاع:
ويُقصدُ به (( حذفُ بعض حروف الكلمة ... [وقد جَعَلَ بعضُهم] منه فواتحَ السور على القول بأنَّ كلَّ حرفٍ منها من اسمٍ من أسمائِه تعالى ) ) [1] ، إلا أنَّ الراجحَ أنَّ الحروفَ المقطعةَ في أوائل طائفةٍ من السور الكريمة أكبرُ دليلٍ على عجزِنا عن إدراكِ ما في القرآن الكريم على وجهِ العموم، فهذه الحروفُ سِرٌّ من أسرارِ القرآن، لم يَرِدْ لنا عن مفسرٍ أو لغويٍّ بيانٌ قاطعٌ في تفسيرِها وتحليلِها، وكلُّ ما قيل فيها إنْ هو إلاَّ آراءٌ لا يمكن القطعُ بِها، ذَكَرَها أصحابُها على سبيلِ الظنِّ والتخمينِ والزَّعْمِ والتأويل [2] اعترافًا منهم - أثابهم اللهُ وجزاهم خيرًا - بعجزهم أمامَ غموضِها وتفسيرِها وتحليلِها. لذا فجَعْلُ هذه الحروفِ مما يسمَّى بـ (حذف الاقتطاع) أمرٌ ظنيٌّ تخمينيٌّ تأباه بلاغةُ القرآن ويتعارضُ معه إعجازُ فواتح السور الكريمة.
وتحت هذا النوعِ من الحذفِ (( أدَّعى بعضُهم أنَّ(الباء) في [قوله تعالى] : [وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ] [المائدة/6] أولُ كلمةِ (بعض) ثم حُذِفَ الباقي )) [3] ، أي: اقتُطِعَ بعضُ حروف الكلمةِ وهو (العين) و (الضاد) ، ولم يبقَ سوى (الباء) . وليت شعري ما العلةُ والمسوِّغُ في هذا الحذفِ المدَّعى؟! ومن أطلَعَ من قال بهذا الإجحافِ والتمحُّلِ بحقِّ الآية الكريمة على ما جرى عليها من (تغيير) و (خلافٍ للأصل) ؟!
(1) الإتقان 162:2.
(2) ينظر على سبيل المثال: معاني القرآن، الفراء 1: 369 - 370. وإعراب ثلاثين سورة، ابن خالويه 135. والكشاف، الزمخشري، تح: يوسف الحمادي 1: 24 - 32. والتفسير الكبير (مفاتيح الغيب) ، الرازي 177:4. وروح المعاني، الآلوسي 1: 101 - 104. وتفسير المنار، محمد رشيد رضا 302:8. ومباحث في علوم القرآن 276 - 277. وقضايا لغوية قرآنية، د. عبدالأمير كاظم زاهد 6.
(3) الإتقان 162:2.