الصفحة 72 من 197

عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ] [النور/6 - 11] . لذا دارت هذه التقديراتُ في ميدانِ عقوبةِ الرَّمْي، أو منعِها، أوِ الهلاكِ بسببِها، أوِ الفناءِ، أو فسادِ العاقبةِ والأمر، أو هلاكِ الكاذبِ حصرًا. وهذا كلُّه مختلِفٌ فيه، غيرُ متفقٍ عليه، ولا يمكن قبولُه، ففضْلُ اللهِ تعالى ورحمتُه لا تمنعانِ المعاجلةَ بالعقوبةِ إنْ كان الفاعلُ يستحقُّها، واللهُ تعالى شديدُ العقاب، كما أنَّ عقابَ الخاطئينَ نفسَه فضْلٌ من اللهِ ورحمةٌ، لأنَّه إنصافٌ للبريء، وتحقيقٌ للعدالة، وضمانٌ للحقوق. وليس ذلك الفضلُ، ولا تلكَ الرحمةُ بمانعَين من إنزالِ حكمٍ إلهيٍّ يوجِّهُ العبادَ في هذا الأمرِ. وليس السياقُ، ولا الدَّلالةُ - من الملاءمةِ بِمكانٍ - بِمقتضيةٍ الهلاكَ، أوِ الفناءَ بعدمِ بقاءِ باقيةٍ للمعنيين. وليس النصُّ في معرض الترْكِ، وإغفالِ التوجيه كي يُظنَّ أنَّ التقديرَ: (لم يصلُح أمرُكم) ولا هو في سبيلِ الإبِهامِ والتحيير كي يُظنَّ أنَّ التقديرَ: (لنالَ الكاذبَ منكم أمرٌ عظيم) ، ولا هو في إطارِ التشهير والترْكِ سدًى كي يُقال: إنَّ التقديرَ: (لافتضح فاعل ذلك) ، واللهُ أعلم بمراده.

إنَّ قولَه تعالى: [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ] [النور/10] لا يستدعي جوابًا البتةَ، فلهذا الاكتفاءِ دلالتُه، ولهذا قال الزمخشريُّ: (( جوابُ(لولا) متروكٌ، وترْكُه دالٌّ على أمرٍ عظيمٍ لا يُكتَنَه. ورُبَّ مسكوتٍ عنه أبلغ من منطوقٍ به )) [1] . فقد يكونُ مما يُرادُ من دلالةِ النصِّ أنَّ فضْلَ الله تعالى ورحمتَه، وكونَه توَّابًا حكيما، إنَّما هي حِصْنٌ، وحِرزٌ، وكهفٌ قد مَنَّ به اللهُ تعالى على عبادِه: مَنْ أحسنَ منهم، ومن أساء، على حدٍّ سواء. وهي لا تمنعُ من أمرِ الله إذا قال تعالى: (كُنْ) أو إذا أنزل عقابَه بالعاصين المنحرفين، بل قد يكونُ الفضلُ والرحمةُ موجِبَين لهذا العقاب، لأنه من ضمنِهما، ويُرشدُ إلى الصواب، واللهُ أعلم.

لقد أضحى جليًّا (( أنَّ الجانبَ الدلاليَّ للنصِّ هو الذي يتحكَّمُ في تشكُّلِ كلِّ مستوياتِه الأخرى على شاكلةٍ معينةٍ، التي لابدَّ من أنْ تكونَ رهينةً بمعنى النصِّ، ومسخرةً لخدمتِه ) ) [2] .

(1) الكشاف275:3.

(2) الإشارة الجمالية في المثل القرآني، عشتار داود محمد 72، (أطروحة دكتوراه مخطوطة) ، جامعة الموصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت