الصفحة 99 من 197

ومنه قولُه تعالى: [يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ، كَلاَّ لاَ وَزَرَ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ] [القيامة/10 - 12] . فقولُه تعالى: [لاَ وَزَرَ] إنْ كان من اللهِ تعالى، أو من الإنسانِ نفسِه مجيبًا نفسَه بعدَ اطِّلاعِه، يُرادُ منه: نفيُ جنسِ الحِصْنِ، أوِ المأوَى، أوِ الكهفِ، أوِ الحِرْز الذي يتمنَّى الإنسانُ أنْ يفرَّ إليه، وهو محالٌ. إذ لا مفرَّ من الله تعالى إلاَّ إليه، وإليه مستقرُّ العبادِ والخلائقِ كلِّهم. والاكتفاءُ بـ (لا) واسمِها فيه من الدلالةِ المطلقةِ ما هو واضحٌ جليٌّ. فإنْ زُعِمَ الحذفُ والتقديرُ في هذه العبارةِ وسواها ضاقتِ الدلالةُ، وعُدِلَ بها إلى غيرِ وجهتِها، واللهُ أعلم.

5 -الجملة المكتفية بالفعل وحده:

ومنها - على سبيلِ المثال والاستشهادِ لا الحصرِ - قولُه تعالى: [إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ] [المائدة/1] ، فقد تعددت وظيفةُ لفظِ الجلالةِ في هذه الجملةِ، فوقعَ - أوَّلًا - اسمًا لـ (إِنَّ) متحدَّثًا عنه بتوكيدٍ، ثم أُسنِد إليه - وهو متأخرٌ - فعْلان هما: (يحكُمُ) و (يُريدُ) . والفعلُ (يُريدُ) هو صلةُ اسمِ الموصولِ (ما) ، وهذا الاسمُ هو مفعولُ الفعْلِ (يَحكُمُ) ، فهو بدوره قد أَخَذ الوظيفةَ الرئيسةَ الأُولى في الجملةِ، وهي المفعولية، كما أخذ لفظُ الجلالةِ الوظيفةَ الرئيسةَ الأُولى في الجملةِ الأم، وهي كونُه اسمًا لـ (إِنَّ) مُخبَرًا عنه مؤكَّدًا. فلما سُلِبَ الاسمُ (ما) أنْ يكونَ مفعولًا مقدَّمًا للفعل (يريدُ) ، فهو مفعولٌ للفعل (يحكُمُ) مؤخَّرًا بعده، صار الفعلُ (يريدُ) قائمًا برأسِه لا فاعلَ له مذكورًا بعده - وفاعلُه هو الله تعالى في المعنى إلاَّ أنه في اللفظِ قد شغلَ وظيفةً سلبته الفاعليةَ كونَه وردَ في هذه الوظيفةِ أوَّلَ الأمر- ولا مفعولَ أيضًا، لذا فهو جملةٌ مكتفيةٌ بفعلها فقط. وقد دلَّت على الإرادة الإلهية المطلقة فالخبر به مقتَصَرٌ على فعْلِ الإرادة فقط، ولفْتِ النظر إليه دونما شيءٍ غيرِه.

أما مسألةُ عدِّ الفاعلِ مستترًا في الفعلِ (يَحكُمُ) والفعلِ (يُريدُ) فهي نظرةٌ حركيةٌ (ميكانيكيةٌ) واضحةٌ جيءَ بها لتسويغِ القولِ: بأنَّ لكلِّ فعْلٍ فاعلًا، وأنه لا يُوجدُ فعْلٌ أو حدثٌ لا فاعلَ له، أو لا مُحدِثَ له. وكأنَّ النحويَّ - بهذه النظرةِ - يتعاملُ مع محسوساتٍ وماديَّاتٍ، لا مع لغةٍ، وطرقِ تعبيرٍ، ودلالةٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت