الصفحة 100 من 197

مُرادةٍ مقصودة. وسيأتي الحديثُ المدوَّنُ عن هذه المسألةِ في موضعِها المناسب من هذا البحثِ، إنْ شاء الله تعالى [1] .

ومنها قولُه تعالى: [سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى] [الأعلى/1 - 3] ، فقدِ اكتفتِ الجملُ (خلق) ، و (سوَّى) ، و (قدَّر) ، و (هدى) بالأحداثِ فقط عنايةً بعظمتها وآثارها في الوجود وتسيير الموجودات، اعتمادًا على ذكْر مُحدِثِها وهو الله تعالى بكلمةِ (ربّ) أوَّلًا، دونما ذكْرٍ أو إشارةٍ إلى مَنْ وقعت أو ما وقعت عليه هذه الأحداثُ، أي: دونما تحديدٍ لِما يُخلَقُ ويُسوَّى ويُقدَّرُ ويُهدى، وهو المرادُ والمقصود. فغايةُ هذه الجمل من الدلالةِ هو بيانُ عظمةِ هذه الأحداث فحسب، فهي تدلُّ على الخلْقِ والتسويةِ والتقديرِ والهدايةِ على وجهِ الإطلاق، والله أعلم. لذا قامت هذه الجملُ على أفعالها اعتمادًا على السياق العام.

ومثلها كلُّ جملةٍ قامت على فعلٍ فقط، لغايةٍ مقصودة، هي بيانُ أهمية الحدث فقط، وترسيخ أثره ومكانتِه، ولفتِ النظر إليه، ودفع الذهنِ نحوَ التبصُّرِ به لا بغيره، كقولِه تعالى: [وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا ... وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى] [النجم/43 - 44 و48] وكقولِه تعالى: [سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى] [الأعلى/6] .

6 -الجملة المكتفية بالفاعل وحدَه:

ومنها - على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ- قولُه تعالى: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ] [النجم/38] [2] ، فلفظُ الجلالةِ (الله) - وهو فاعلٌ - جملةٌ كاملةٌ قائمةٌ عليه فقط بضميمةِ السياق، وهو جوابٌ عن سؤالٍ بـ (مَنْ) ، ففعْلُ الخلْقِ، أي: خَلْقِ السماواتِ والأرض معلومٌ والمسؤولُ عنه هو فاعلُ هذا الحدثِ أو فاعلُ الخَلْقِ. لذا طابقَ الجوابُ السؤالَ، واقتصَرَ على المراد فيه فقط، فشكَّلَ جملةً مكتفيةً بالفاعل فقط، وقد صار السؤالُ نفسُه دليلًا على أنَّ لفظَ الجلالةِ (الله) فاعلٌ لا مبتدأٌ، فهو يسألُ عن مُحدِثِ حَدَثٍ هو (خَلَقَ) .

(1) ينظر: الصحف (107 - 110) من الفصل الثالث.

(2) ومثلها: [لقمان/25] ، و [العنكبوت/61و36] ، و [الزخرف/87] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت