الصفحة 101 من 197

وقد ورد نصٌّ كريمٌ آخرُ مِماثلٌ لِهذا النصِّ، ولكنَّ جملتَه كاملةٌ لا مكتفِيةٌ أو مقتصَرَةٌ، وهو قولُه تعالى: [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ] [الزخرف/9] ، فعنايةُ هذا النصِّ بالحَدَثِ - وهو الفعلُ (خَلَقَ) - تكريرًا، وتوكيدًا، وتثبيتًا، وبالمُحدِثِ - وهو المسؤولًُ عنه بخاصَّةٍ، وهو الله تعالى (العزيز العليم) - وبما يُرادُ به من إزالةِ لبسٍ، وإثباتِ حجةٍ، وزيادةِ توكيدٍ، كلها أمورٌ رئيسةٌ، وأسبابٌ باعثةٌ على إثباتِ المسند في نصِّ سورةِ الزخرف، إذ تختلفُ دلالتُه عن دلالةِ النصِّ بالجملةِ المكتَفِيةِ بالفاعلِ فقط، فقولُه تعالى: [لَيَقُولُنَّ اللَّهُ] فيه إثباتُ حجةٍ على جناح السرعة، وإقرارٌ بقدرةِ الله تعالى، وأنَّ بيده ملكوتَ كلِّ شيءٍ، فهو خالقُ كلِّ شيء. ولِمَا تطلَّبه النصُّ من إسراعٍ في الإجابة ورد الجوابُ على مقتضى السؤالِ حصرًا.

قال الدكتور سعد أبو الرضا في هذين النصين الكريمين: (( وبرغمِ أنَّ الآيتين الكريمتين يَعرِضُ بهما القرآنُ الكريمُ لموقفِ المشركين وتناقضِهم بين اعترافِهم بخَلْقِ الله للسماوات والأرض، والشِّرْكِ به، فإنَّ [الاكتفاءَ بالفاعل فقط] في الآيةِ الأُولى تطلَّبه الحَسْمُ وسرعةُ الردِّ، لاسيما قد اقترن الفعلُ(يقول) بنون التوكيد الثقيلة، وكذلك جيءَ بالمسندِ إليه (لفظُ الجلالةِ) مباشرةً، وهو (الله) تعالى. بينما كان المقامُ في الآية الثانية يتطلبُ البسطَ والعرضَ للإقناعِ بعظمتِه وقدرتِه سبحانه وتعالى، لذلك ذُكِر المسندُ (خلقهنَّ) لتقرير وتأكيد خَلْقِ المولى جلَّ وعلا للسماوات والأرض، لاسيما بعد أنْ سبقَ ذِكْرُ الفعل (خَلَقَ) في السؤال. فتكريرُ مادة (خَلَقَ) مرتين مع اختلافِ الأسلوب في كلِّ مرةٍ أضفَى عليها - مسندةً في الجواب - إيحاءاتٍ لتأكيد خَلْقِ الله للسماوات والأرض. ومِما يملأُ نفسَ المتلقي إحساسًا بعظمةِ الخالق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة، جَعْلُ المسندِ إليه [أي] الفاعلِ: (العزيز العليم) حيثُ تُوحي العزَّةُ والعِلْمُ بالمقدرة، وقوة الإرادة، والإحاطة الشاملة، فيتضاعفُ إحساسُ المتلقي بعظمةِ الخالق سبحانه وتعالى )) [1] .

قال الخطيبُ الإسكافيُّ: (( إذا أوردَ الحكيمُ - تقدَّست أسماؤُه - آيةً على لفظةٍ مخصوصةٍ، ثم أعادها في موضعٍ آخرَ من القرآنِ، وقد غيَّر فيها لفظةً عمَّا كانت عليه في الأُولى، فلابدَّ من حكمةٍ هناكَ تُطلَب. فإذا أدركتموها فقد ظفرتُم، وإن لم تدركوها فليس لأنه لا حكمةَ هناك، بل جهلتُم ) ) [2] .

(1) في البنية والدلالة 118 - 119. وقد آثرتُ إيرادَ تعليقه كاملا لشموليته، وبيانه، وعدم إمكان ترك جزءٍ منه.

(2) درة التنزيل20 - 21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت