7 -الجملة المكتفية بالفعل ومفعوله:
ومنها قولُه تعالى: [وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ، فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بمالٍ فَمَا آتَنِ اللَّهُ خَيْرٌ مِما آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ] [النمل/35 - 36] . فقد اقتصر قولُه تعالى: [جَاءَ سُلَيْمَانَ] على الفعلِ والمفعولِ به فقط دونما ذكرٍ للفاعل، الذي قدَّره بعضُ المفسرين بـ (الرسول) [1] ، وبعضُهم بـ (المال) [2] ، وبعضُهم بـ (الهدية) [3] .
والواقعُ أنَّ ذكرَ إرسالِ (الرسول أو المرسلينَ) ، أو ذكرَ (الهدية) على لسانِ ملكةِ سبأ، أو ذكرَ (المال) على لسانِ النبيِّ سليمانَ (عليه السلامُ) قد ورد في محلِّه المناسبِ له، المحتاجِ إليه - نظمًا ودلالةً - أما قولُه تعالى: [فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ] فإنَّ معقدَ الكلامِ فيه هو: حدثُ (المجيء) دلالةً على أنَّ النبيَّ سليمانَ (عليه السلامُ) صارَ هَمًّا لملكةِ سبأ وشعبها، يجبُ أنْ يُقصَدَ إليه ويُختَبَرَ ما عنده بطريقِ التقرُّبِ والتودُّدِ والمحاباة والدعم، على الرغمِ من الصعوبةِ والمشقةِ التي يتطلبها هذا المجيءُ. ففي استعمالِ الفعلِ (جاءَ) دونَ الفعلِ (أتى) دلالةٌ خاصةٌ تتطلبه وتستدعيه دون سواه. إذ يُستعمل لِما فيه صعوبةٌ ومشقةٌ [4] ، بل وخوفٌ أيضًا، وللأُمور الماديةِ الحسيةِ غالبًا كقولِه تعالى: [وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ] [ق/19] ، وقولِه تعالى: [يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا] [مريم/27] ، وقولِه تعالى: [وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] [البقرة/89] . بخلافِ الفعلِ (أتى) الذي يَردُ في مواطنِ القدومِ السهْل، والإقبالِ اليسير، وللأُمور المعنوية غالبًا [5] ، نحو قولِه تعالى: [فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَامُوسَى] [طه/11] و [القصص/30] ، وقولِه تعالى: [أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ] [النحل/1] . فالفعلُ (جاء)
(1) ينظر: تفسير القرطبي200:13. وتفسير البيضاوي267:4. وتفسير أبي السعود285:6.
(2) ينظر: تفسير ابن كثير575:2.
(3) ينظر: الدر المنثور358:6.
(4) ينظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني8. ولمسات بيانية97 - 98. ودقائق الفروق اللغوية في البيان القرآني، محمد ياس خضر الدوري229 - 233 (أطروحة دكتوراه مخطوطة) / جامعة بغداد / كلية التربية (ابن رشد) .
(5) ينظر: المصادر في الهامش السابق.