هو معقدُ الكلام، ومَحَلُّ العنايةِ والاهتمام، ذكْرًا ودلالةً. وكذلك صاحبُ الشأنِ الذي جيءَ إليه، وهو النبيُّ سليمانَ (عليه السلامُ) ، فهو معقدُ الكلامِ أيضًا، ومحَلُّ العنايةِ والاهتمام، لأنه المرهوبُ منه، والمتودَّدُ إليه.
إنَّ اقتصارَ النصِّ على الفعلِ (جاء) ، والمفعول (سليمان) يدلُّ على أهميةِ الحدثِ، ومدى جسامتِه، والرغبةِ في تحققه، وأهميةِ المرسَلِ إليه، بشكلٍ خاصٍّ. فالإرسالُ والمرسَلُ إليه، أو المجيءُ، والمُجاءُ إليه، هو المعنيُّ ذكرًا ودلالةً. أما فاعلُ (المجيء) فليس بذي بالٍ، ولا تنعقدُ أهميةٌ - يُلفَتُ إليها النظرُ - على ذكْره، وإيقافِ القارئِ أوِ السامعِ عنده، بدليل عدمِ ذكرِه، وعدمِ جدوى القولِ باستتارِه، كما يُقدَّرُ هنا، وفي المواضع المِماثلة. فأينَ الاهتمامُ والعنايةُ بطريقِ الذكر من القولِ بالاستتارِ، واللهُ أعلم.
ومن هذا الاكتفاءِ قولُه تعالى: [فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ] [البقرة/230] ، فلم يَرِدْ ذكرٌ لفاعلِ الفعلِ (طلَّقَ) ، بل اكتُفِيَ به وبالضميرِ الكنايةِ عنِ المفعولِ به وهو (الهاء) المكنى به عنِ الزوجِ، أوِ المرأةِ المطلقة، بوجهٍ عامٍّ. كما لم يَرِدْ ذكرٌ لفاعلِ الفعلِ (تنكِح) فقدِ اكتُفِيَ به، وبمفعولِه (زوجًا) ، فالغايةُ - واللهُ أعلم - من الآيةِ الكريمةِ التي اشتملت على هاتَينِ الجملتَين المكتفيتَين بالفعلِ ومفعولِه فقط هي بيانُ الحكمِ الشرعيِّ المترتِّبِ على الزوجِ الذي يُطلِّقُ زوجَه، ثم يرومُ إعادتَها والاقترانَ بها. إذ عليه - وهي المعنيَّةُ بخاصَّةٍ - أنْ تنكِحَ زوجًا غير زوجِها الأوَّل الذي طلَّقها، ثم يُطلِّقُها الآخرُ، لتعودَ إلى الأوَّلِ فتقترِنَ به [1] ، وهذا جليٌّ من نظْمِ النصِّ. فالغايةُ - إذًا - هي بيانُ الحكمِ للعامَّة، فليس ثمة فاعلٌ مخصوصٌ لِهذينِ الفعلَين، ولا كان لدلالةِ النصِّ تعلُّقٌ بهما، أو توقُّفٌ عليهما. فالدلالةُ معقودةٌ بحدثِ (الطلاق) ، وضمير (المطلَّقة) ، وبحدثِ (النكاح) ، و (الزوجِ الآخر) ، واللهُ أعلم.
ومن الاكتفاءِ بالفعلِ ومفعولِه قولُه تعالى: [ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا] [النور/40] . والنصُّ في سياقِ تشبيهِ أعمالِ الكافرين بأنَّها [كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً ... ] [النور/39] ، أو بأنَّها [كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ]
(1) ينظر: أحكام القرآن، أحمد بن علي الرازي الجصاص، تح: محمد الصادق قمحاوي88:2.