[النور/40] ، فقدِ تبيَّن به حالُ هذه الظلماتِ التي خُتِمت بقولِه تعالى: [إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا] وهو (( لفظٌ يقتضي مبالغةَ الظلمة ) ) [1] . وقدِ اكتفتِ الجملةُ الفعليةُ فيه بالفعل وهو (أخرج) ومفعولِه وهو (يدَه) ، دونما ذكرٍ أو إشارةٍ إلى مُخْرِجٍ محدَّدٍ بعينِه. فالنصُّ مطلَقُ الدلالةِ [2] وشاملٌ غيرُ مقيَّدٍ أو مخصَّصٍ لشخصٍ بعينِه. فكلُّ مَنْ في هذه الظلماتِ هذه صفتُه أو حالُه، فهو (( لم يُقاربْ رؤيتَها، وإذا لم يُقاربْ رؤيتَها، فلم يرَها رؤيةً بعيدةً، ولا قريبة ) ) [3] .
ومثلُ هذه الجملةِ قولُه تعالى: [لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا] ، فقدِ اقتصَرَتْ جملةُ فعْلِ المقاربةِ على الفعل (يَكَد) منفيًّا بـ (لم) ، وعلى الجملةِ الواقعةِ خبرًا له وهي (يراها) ، دونما إشارةٍ إلى اسمٍ للفعلِ (يكد) - كما يُسمِّيه النحويون، تشبيهًا لهذا الفعلِ بالفعلِ (كان) - فالصورةُ عامةٌ غيرُ مقيدةٍ، ومطلقةٌ غير مخصصةٍ.
ومثلُ هاتين الجملتَين الجملةُ (يراها) ، فقدِ اكتفت بالفعل (يرى) البَصَريِّ، ومفعولِه (الهاء) ، وهو ضميرٌ مكنَّى به عنِ (اليد) ، لأنَّ الصورةَ مطلقةٌ غيرُ مقيَّدةٍ براءٍ معيَّنٍ، واللهُ أعلم.
8 -الجملة المكتفية بالمفعول به:
ومن هذا الضرْبِ من الاكتفاء قولُه تعالى: [وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا] [النحل/30] ، فقد وردتِ الجملةُ بعد الفعلِ (قالوا) - وهي جملةُ جوابٍ - مكتفِيةً بالمفعول به قائمةً عليه، اتفاقًا مع ما يقتضيه السؤالُ بـ (ماذا) . فالسائلُ يعلمُ أنَّ المجيبينَ مؤمنون باللهِ تعالى - أصلًا واعتقادًا - ومؤمنون بأنَّ ثمة إنزالًا أو تنزيلًا من عنده تعالى، فهو - إذًا - لا يسألُ عن فعْلِ (الإنزال) ، ولا عن المُنزِلِ وهو الربُّ تعالى، بل يسألُ عمَّا يُقابلُ (ماذا) ، فهو الشيءُ المبهَمُ المسؤولُ عنه، وقد سُئِلوا عنه من بابِ بيانِ اعتقادِهم بهذا المُنزَلِ، وإيمانِهم به، وصلاحِه لهم، واللهُ أعلمُ. لذا أجابوا على مقتضى السؤالِ من غير حاجةٍ إلى تكرير ما لا حاجةَ للسائلِ، ولا للمُجيبِ به فقالوا: (خيرًا) ، وهو مفعولٌ به مرتبطٌ بالفعلِ (أنزل) الذي في السؤالِ من جهةِ المعنى. أما إذا قلنا - كما يُزعَمُ: إنه مفعولُ به لفعلٍ محذوفٍ مع فاعلِه، والتقديرُ: (أنزل ربُّنا خيرًا) ، فقد قلنا في النصِّ ما ليس فيه، وأجبنا
(1) تفسير الثعالبي123:3.
(2) ينظر: نحو القرآن33.
(3) معاني القرآن، النحاس542:4.