بما يُخالفُ مقتضى السؤال، أي: بزيادةٍ لا حاجةَ بالجوابِ إليها، وفصمنا عُرَى الترابُط البديع بين السؤال وجوابِه، حتى لكأنَّ مفعولِيَّةَ هذا الجوابِ متعلِّقةٌ بفعليةِ السؤال، وهذه صورةٌ من التلاحُم الرائع النابع من الاعتقاد بين السائل والمجيب، واللهُ أعلمُ [1] .
9 -الجملة المكتفية بالمفعول المطلق:
ومنها قولُه تعالى: [فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ] [محمد/4] ، فقدِ اكتُفِيَ في جملةِ الشرط (إذا) بالمصدرِ (ضَرْبَ) من غيرٍِ ذكْرٍ لفعْلٍ في الجواب، ولهذا النظْمِ أثرٌ في السامع أو المأمورِ أبلغُ وآكَدُ من إيرادِ فعْلٍ طلبيٍّ بمعناه، أي: (اضْرِبْ) أو (اضْربُوهُم) ، وهو غيرُ مرادٍ لأنَّ (( من سنن العربِ التعويضَ، وهو إقامةُ الكلمةِ مقامَ الكلمةِ، كإقامةِ المصدر مقامَ الأمر ) ) [2] . ومن هذه السَّنن قولُه تعالى: [فَضَرْبَ الرِّقَابِ] ، والسببُ في استعمالِ المصدر - واللهُ أعلمُ - بدلَ الأمرِ بالفعلِ هو أنَّ اللهَ تعالى (( حثَّهم على القتْلِ إذا لقُوا العدُوَّ، ولم يكنِ الحثُّ كالشيءِ الذي يجِبُ بفعْلٍ قبلَه ) ) [3] وهو (( أدبٌ من الله، وتعليمٌ للمؤمنين للقتال ) ) [4] ، وهذه هي غايةُ نصْبِ هذا الاسمِ الذي شكَّل جملةً مُكتفِيَةً به. فكلُّ (( مصدرٍ وقع في موضعِ أمرٍ [نُصِبَ] . ومثلُه: الصلاةَ الصلاةَ، وجميع الأسماءِ من المصادر وغيرها إذا نَوَيْتَ الأمرَ نصبْتَ ) ) [5] ، وكلُّ هذا لا يعني أنَّ ثمة فعلًا محذوفًا مع فاعلِه قبلَ هذا المصدرِ، تقديرُه: (فاضرِبُوهم ضَرْبَ الرقابِ) بحجةِ أنَّ هذا المنصوبَ (ضَرْبَ) لا بدَّ له من ناصبٍ، فإنَّ هذا الزعمَ يَعدِلُ بالدلالةِ الأدبيةِ الرائعةِ للنصِّ - المؤكِّدةِ على إحداثِ (الضَّرْب) بوساطةِ استعمال المصدر - إلى دلالةٍ أخرى تخلو من هذه المعاني، واللهُ أعلم.
10 -الجملة المكتفية بضمير يعود على أحد اسمَين مذكورين قبله:
(1) وينظر: النحويون والقرآن298.
(2) المزهر 377:1.
(3) معاني القرآن، الفراء 109:1.
(4) نفسه 57:3.
(5) نفسه 188:1.