الصفحة 106 من 197

ومنها قولُه تعالى: [وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ] [الجمعة/11] .

لم تسلم هذه الآيةُ الكريمةُ في المقطع [انفَضُّوا إِلَيْهَا] - شأنُها، وهي جزءٌ من القرآن، شأنُ القرآنِ نفسِه - من القول بـ (الحذف والتقدير) ، فقد ذهب معظمُ المفسرين - إنْ لم يكن كلُّهم - إلى أنَّ ثمة محذوفًا في هذه الجملةِ، تقديرُه: (إذا رأَوا تجارةً انفضُّوا إليها أو لهوًا انفضُّوا إليه) ، فحُذِف أحدُهما، وهو (انفضُّوا إليه) لدلالةِ الآخر عليه، وهو (انفضُّوا إليها) [1] .

وليت شعري مَنْ أخبرَهم بهذا؟! ولماذا يُصارُ - غالبًا - إلى التِزام القول بـ (الحذف والتقدير) ؟!

لا أرى أنَّ المقدِّرين بصنيعِهم هذا قد بسَّطوا أو سهَّلوا، بل ابتعدُوا بالنصِّ عما سيق ونُظِم له. ولعلي أجدُ أنه من الضروريِّ بيانُ نصوصٍ أُخرى بهذه الصورةِ نفسِها من الاكتفاء، قد تناولها النحويون والمفسرون من زاوية القول بـ (الحذف والتقدير) ، يتبيَّنُ منها بجلاءٍ ما تمخَّض عن هذا الصنيعِ من عدولٍ بدلالةِ النصوصِ المعنية.

فمِمَّا زعَموا في الآيةِ موضوعِ البحثِ قولُ الفراء: (( ولو قيل:(انفضُّوا إليه) يريدُ: (اللهو) كان صوابًا، كما قال: [وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا] [النساء/112] ولم يقل: (بها) . ولو قيل: (بهما) و (انفضُّوا إليهما) ، كما قال: [إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا] [النساء/135] كان صوابًا )) [2] ، معتمِدًا في بعض ما زعَمَ حجةً لا يُطمأَنُّ إليها، مفادُها أنَّ الأجودَ في العربية (( أنْ تجعَلَ الراجعَ من الذِّكْرِ للآخر من الاسمين، وما بعد ذا فهو جائزٌ ) ) [3] .

لقد زعمَ الفرّاءُ الجارَّ والمجرورَ (إليه) عائدًا على (اللهْو) ، وزعم الجارَّ والمجرورَ (بهما) عائدًا على (الخطيئةِ) و (الإثم) ، وزعم الجارَّ والمجرورَ (إليهما) عائدًا على (التجارة) و (اللهْو) ، وخلص بكل بساطةٍ إلى أنَّ الأمرَ لو كان كما زَعَمَ هو لكان صوابًا.

فأمَّا زعمُه الجارَّ والمجرورَ (إليه) عائدًا على (اللهْو) فمردودٌ لأنه بهذا التقدير تحوَّل بدلالةِ باطنيةٍ مفهومةٍ من ظاهر النصِّ من كونِ (التجارةِ) وسيلةً لـ (اللهْوِ) بأشكالِه المختلِفة إلى كون (اللهْو) وسيلةً

(1) ينظر: مجمع البيان 78:28. والتفسير الكبير 11:30. وتفسير البيضاوي 493:2. وتفسير النسفي، أبو البركات النسفي 256:4. والميزان في تفسير القرآن، العلامة الطباطبائي 19: 274 - 275.

(2) معاني القرآن 157:3.

(3) نفسه. وينظر: تفسير القرطبي 380:5 - 381.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت