لـ (التجارة) ، وأنها نتيجةٌ له، وهذا أمرٌ في غاية الضَّعْف، بل إنه في غاية الابتعاد عن المفهوم بجلاءٍ من هذا المقطعِ من النصِّ الكريم، وكما سيأتي، واللهُ أعلم.
وأمَّا حمْلُه هذا الزعمَ على قولِه تعالى: [وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا] [النساء/112] ، وأنه قال: (به) ولم يقل: (بها) أو (بهما) فمردودٌ أيضًا، فالنصُّ - وهو الآيةُ بكاملها مع سابقتِها - هو: [وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] [النساء/111 - 112] ، فمحورُ الآيتَين هو (الإثمُ) في حال كسبِه فقط، وعاقبةُ ذلك على صاحبِه في الآيةِ الأُولى. وفي حال كسْبِه ورمْيِ البريء به وجزاءُ هذا الفعْلِ في الآيةِ الأخرى. فهو الأخطرُ أمرًا والأجدرُ بأنْ يُعنَى به ذِكْرًا. والنصُّ موضع الاستشهادِ والزعْمِ عند الفراء هو تركيبٌ شرْطِيٌّ مؤلفٌ من:
1 -الشرط المركَّب من فِعْلَي شرْطٍ متعاطفَين بـ (ثُمَّ) ، وهو [يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا] .
2 -جوابه [فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا] .
والجوابُ فيه قائمٌ على مجازاةِ الإنسانِ باحتمالِه البهتانَ والإثمَ المبينَ - فجزاءُ الرَّمْيِ بالإثمِ لِكِبَرِه إثمٌ أيضًا مع البُهتان - نتيجةَ كسْبِه خطيئةً أو إثمًا ثم رمْيِه البريءَ بالإثمِ حصرًا، كونَ الإثمِ يَشْمَلُ الخطيئةَ وما هو أكبرُ جُرمًا منها. فلو كان الإنسانُ قدِ اكتسبَ خطيئةً فقط ورمَى بها بريئًا لَمَا كان مُستحقًّا لاحتمالٍِ البُهتانِ والإثمِ المبين، بدليل الشرطِ الذي قامت عليه الآيةُ. قال الطبريُّ: (( إنَّما فَرَّقَ بين الخطيئةِ والإثمِ أنَّ الخطيئةَ تكونُ عن عمْدٍ وعن غير عمْدٍ، والإثمَ لا يكونُ إلاَّ عن عمْدٍ. وقيل: الخطيئةُ ما لم تتعمَّدْه خاصَّةً كالقتْل بالخطأ. وقيل: الخطيئةُ الصغيرةُ، والإثمُ الكبيرة ) ) [1] .
لذا لا صوابَ من جهةِ الدلالةِ - وهي مُوجِبُ النظْم - فيما ذهب إليه الفراءُ في زعْمِه هذا. وكان عليه تناولُ الآية غيرَ مبتورةٍ عن سياقِها العامِّ (سوابقِها ولواحقِها) .
وأمَّا استدلالُه بقولِه تعالى: [إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا] [النساء/135] بالكنايةِ عن (الغني) و (الفقير) في (بهما) ، فلا حجةَ فيه أيضًا لأنَّ كلاًّ من (غني) و (فقير) مذكَّرٌ، فلو قيل: (به) لا
(1) تفسير القرطبي 380:5 - 381.