الصفحة 108 من 197

(بهما) لالتبسَ الأمرُ في عَوْدِ الضمير: أعلى (الغنيِّ) عائدٌ؟ فلا يكونُ اللهُ تعالى وليًّا للفقير!! أم على الفقير؟ فلا يكونُ اللهُ تعالى وليًّا للغني!! حاشا لله، فهو وليُّهما ووليُّ سواهما.

وأمَّا زعمُه الجارَّ والمجرورَ (إليهما) بالعَوْدِ على (التجارة) و (اللهْو) معًا فهو تخيُّلٌ في غايةِ البُعْدِ عن دلالةِ النظم. فهم أُعلِموا بالتجارةِ بسببِ ضرْبِ الطبْلِ والمزامير (اللهْو) - كما هو مفهومٌ من سببِ نزول هذه الآية [1] - فكان (اللهْو) بهذا المعنى سببًا لا يُبتَغَى ولا يُستحَقُّ أنْ يُهرَعَ إليه و (التجارةُ) هي المبتغاةُ والمُنفَضُّ إليها. إذ فُضِّل الانشغالُ بها على أمرٍ مقدَّسٍ، بوعْيٍ أو بغير وعْيٍ. وهما بتنكيرهما - واستنادًا إلى عموم المعنى لا إلى خصوصِ اللفظِ في سبب النزول - واضِحا الدلالة. فـ (التجارةُ) هي الموردُ الاقتصاديُّ الباعثُ على طلبِ (اللهْو) وتحصيلِه وإشباع الغرائز الشهوانية النَّهِمة. أي: أَنَّ (التجارةَ) هي الوسيلةُ، و (اللهْوَ) هو الغايةُ، كما سيأتي.

ومن هذه المزاعم ما عقدَه الثعالبيُّ في (فقه اللغة وسر العربية) من فصلٍ تحت عنوانٍ: (الجمعُ بين شيئَين اثنين، ثم ذِكْرُ أحدِهما في الكناية دون الآخر، والمرادُ به كلاهما معًا ) ) [2] ، وقد دللَّ عليه بمثالٍ مصطنع، وشواهدَ قرآنيةٍ، نحو: (( رأيتُ عمرًا وزيدًا، وسلَّمتُ عليه، أي: عليهما ) ) [3] . ولا أدري كيف يُفهَم من (وسلَّمتُ عليه) أنه يُريدُ بالضمير المفرد (عَمْرًا) و (زيدًا) كليهما؟! ونحو قولِه تعالى: [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] [التوبة/34] الذي قال فيه الثعالبيُّ: (( وتقديرُ الكلام: ولا ينفقونهما في سبيل الله ) ) [4] .

إنَّ في عَوْدِ الضمير على (الفضةِ) دون (الذهب) تحقيرًا لهؤلاءِ الكانزين، فهم لِفَرْطِ حِرصِهم الشديد على الأقلِّ سعرًا والأبخس ثمنًا، وهو الفضة موازنةً بالذهب - فقيمتُها المادية والمعنوية دون قيمةِ الذهب بكثيرٍ، وهي كذلك اليوم - ولعدمِ إخراجِها وإنفاقِها في سبيل الله يستحقُّون هذه البشرى.

(1) ينظر مثلا: تفسير فرات الكوفي، فرات بن ابراهيم الكوفي، تح: محمد الكاظم 484. وأسباب النزول، أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري 286. وتفسير الرازي 10:30. وتفسير الخازن (لباب التأويل في معاني التنزيل) ، علاء الدين الخازن 268:4. والبحر المحيط 265:8. وتنوير المقباس من تفسير ابن عباس، الفيروزآبادي 472. وتفسير المراغي، أحمد مصطفى المراغي 103:28. والتفسير الكاشف، محمد جواد مغنية 327:7.

(2) فقه اللغة 328.

(3) نفسه.

(4) نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت