الصفحة 109 من 197

فإذا كانوا حريصين على الفضةِ، وهي الأرخصُ والأبخسُ سعرًا - موازنةً بالذهب - فهم - بلا ريبٍ - أشدُّ حرصًا على الذهب الأنفس والأغلى ثمنًا.

ولو عاد الضميرُ على (الذهب) ، أي: (ولا يُنفِقونه) ، لاستلزمَ الكلامُ الدلالةَ على أنَّهم يُنفقون (الفضة) ، ولا يمنعونها، وأنَّها ليست بشيءٍ ذي بالٍ وشأنٍ عندهم إذا كان الأمرُ في مجال الإنفاق في سبيل الله تعالى، ولَمَا كانوا، إذًا، مستحقين البُشرى بالعذاب الأليم. فاللهُ تعالى يُثيبُ على أبسط أعمال الخير والبر، وإنفاقُ الفضةِ في سبيل الله من أعمال الخير والبر. ولو كان الأمرُ كما قدَّره الثعالبيُّ: (ولا يُنفقونهما) لَمَا بان حرصُهم على الأدنى - وهي حالُهم المقصودُ بيانُها وذكرُها واللهُ أعلم - ولَمَا كان تحقيرُهم ظاهرًا جليًّا لولا هذا النظمُ والتركيبُ المُبينُ المعجِز، ولاستلزمَ أنْ يكونَ كلٌّ من (الذهب) و (الفضة) بمستوًى واحد، وقيمةٍ متطابقةٍ عند هؤلاءِ، أو في حقيقتِهما، وهذا ما لا يُقال.

وقد ذهب الثعالبيُّ في النصِّ موضوعِ النظر، أي: قولِه تعالى: [وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا] [الجمعة/11] إلى أنَّ التقديرَ هو: (( انفضُّوا إليهما ) ) [1] . وقد بيَّنتُ ضَعْفَ هذا الزعم قبلًا.

ونحو قولِه تعالى: [يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ] [التوبة/62] ، إذ قال فيه الثعالبيُّ: (( والمرادُ: أنْ يُرضوهما ) ) [2] . وهو زعمٌ نأى كثيرًا عن الدلالةِ البديعةِ التي سيق النصُّ من أجلها بهذا النظم، وعلى هذه الصورةِ من الاكتفاء، واللهُ أعلمُ.

فضميرُ المفرد يدلُّ على أنَّ رضا الله تعالى يَعني رضا رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنَّ رضا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني رضا الله تعالى، كما هو متجلٍّ من العطفِ بـ (الواو) التي للتشريك، ومن اتحاد الخبر لكلٍّ من الله تعالى ورسولِه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقولِه تعالى: [أَحَقُّ] . فعلى أيِّهما أُعيد الضميرُ كانت هذه دلالةُ العَوْدِ. أما إعادتُه على الاسمَين السابقين كما قَدَّر الثعالبيُّ (يُرضُوهما) ، ففيها - لو قيلت خارجَ النصِّ القرآنيِّ - دلالةٌ على اختلافٍ واضحٍ وتبايُنٍ جليٍّ بين الرَّضْيَيْن، وأنَّ رضا أحدِهما لا يَعني رضا الآخر، وأنه يجِبُ أنْ يكونَ هذا الرضا لَهما كليهما بلا استثناءٍ لأحدهما، حاشا لله ولرسولِه عن مثل هذه التصوُّرات. فقد تجلَّت مكانةُ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عند اللهِ تعالى في آياتٍ كثيرةٍ، منها على سبيل المثال لا الحصر:

(1) فقه اللغة 328.

(2) نفسه. وينظر من أعاجيب التقدير والتأويل في هذه الآية الكريمة: التبيان في إعراب القرآن 17:2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت