المرادُ به الظاهر والخالص مما يلتبس فهمه بسواه، وقد ورد هذا النوع من التحذير في القرآن الكريم على ضربين:
أولهما: أسلوب التحذير الذي عُرِف عند النحاة القُدامى وتابعهم المحدثون عليه.
قال سيبويه: (( هذا بابُ ما جرى منه على الأَمر والتحذير، وذلك قولك إِذا كنت تُحذِّر: إِيَّاك، كأنّك قلت: إِياك نحِّ، وإِيِّاك باعد، وإِيِّاك اتق، ومن أشبه ذا، ومن ذلك(أن تقول) : نفسك يا فلانُ، أَي: اتق نفسك، الا أَنَّ هذا لايجوز منه إِظهار ما أَضمرت، ولكن ذكرته لأُمثلَ لك ما يُظهر إِضماره. ومن ذلك إيضًا قولك: إِياك والأَسد، وإِياي والشر، كأَنَّه قال: إِيِّاك فاتقيِنَّ والأَسد، وكأَنَّه قال: إِيّاي لأَتقِيَّنَّ والشَّرَّ، فإِياك متّقى، والأَسدُ والشّرُّ متقيان (فكلاهما مفعولُ ومفعولُ منه ) )) [1] . إذا تتبعنا قول إِمام النحاة نجده عَدَّ التحذير أَمرًا، وذلك الأَمر هو: إِيَّاك، وقد يكون الأَمر بمعنى: اتق إلاَّ أَنَّ هذا الفعل لايجوز أَن يقوم مقام الأَوّل؛ لأَنَّه يُخرجه من أُسلوب التحذير. وقد تابع أبو العباس المبرد (ت285هـ) سابقه على هذا المعنى إِذ قال: (( إِيّاك منصوب بالفعل؛ لأَنّه والأَسد متّقيان، وكذلك إِيّاك والصبَّي. إلا ترى أَنَّ معنى إِيَّاك إنما هو احذر واتق ونحو ذلك، وان شئت قلت: إِيَّاك أَنت وزيد فجعلت أَنت توكيدًا لذلك المضمر ) ) [2] . ولم يَكُ ابن يعيش بمنأى عن هذه المعاني فقد تابع سابقيه على إفادتها إِذ ذكر أَنَّ (إِيّاك) ناب مناب الفعل؛ لأَنَّ إِياك يُعطي المعنى الذي يُعطيه الفعل الا أنَّ هذا لا يعني جواز قيام الفعل مقام (إِيِّاك) وهذا بَيِّن من قوله: (( فَحُذِف الفعل واكتُفي بإيَّاك عنه( ... ) وكثر ذلك محذوفًا حتى لزم الحذف وصار ظهور العامل فيه من الإِصول المرفوضة، فمن ذلك قولهم: إِياك والأَسدَ، فإياك: اسمُ مضمر منصوب الموضع، والناصبُ له فِعْلُ مضمر وتقديره: إِيّاك باعد، وإِيّاك نحِّ، وما أشبه ذلك، والأَسد معطوف على إِيّاك )) [3] . وقد تابع المحدثون السابقين فيما ذهبوا إِليه في إِنابة (إياك) مناب الفعل، حتى عُدَّ الأَصل. قال الدكتور صباح عباس السالم: (( والمُحَذَّرُ
(1) كتاب سيبويه 1/ 273.
(2) المقتضب 3/ 212.
(3) شرح المفصل 2/ 25، ينظر: كتاب الواضح في علم العربية، لأَبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي (ت 379هـ) ، تحقيق: د. امين علي السيد، دار المعارف، مصر، 1975م: 121 - 122.