الصفحة 168 من 301

لو أَعدتا النظر ثانيًا في الآية المباركة (( إنّا لجميعُ حاذرون ) )نجد مفردات الآية المباركة تدلُّ على الجمع؛ وذلك لأَنَّها افتتحت بـ (إِنّا) -الحرف المشبّه بالفعل مضافًا اليه الضمير (نا) فلفظُ (جميع) ثم اسم الفاعل بصيغة الجمع (حاذرون) . يتبيّن أَن لفظة جميع حين توسّطت بين الجمعين: إنَّا وحاذرون، افادت التوكيد، وهذا أمرُ شائعُ عند النحاة وعَدّوه مما يرفع توهّم عدم ارادة الشمول [1] . لكنّك حين ترى الفتوحات الإلهية تجد صاحبه يقول: (( واما القولُ (( لجميعُ ) )اي: جماعةُ فليست هذه الكلمة من أَلفاظ التوكيد، فهي بمعنى جماعة، أَي: إِننا جماعة حاذرون )) [2] . وحين يكون فرعون وجنوده حاذرين أَملًا منهم أَنَّ ذلك الحذر سينقلُهم الى بر الأَمان، إلاَّ أَنَّ الله تعالى بدد آمالهم حين قال: (( ونُريد أن نَمنَّ على اللذين أستضعفوا في الأرض ونجعلهم إئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكّن لهم في الأَرض ونرى فرعونُ وهامان وجنودُهما منهم ما كانوا يحذرون ) )القصص 6.

لقد تباينت الآراء في قراءة الفعل الدال على الوعيد وهو قوله (نري) قال الفرّاء: (( قولُه: ويرى فرعون وهامان وجندهما، هكذا قراءةُ أصحاب عبد الله بالياء والرفع، والناسُ بعدُ يقرؤنها بالنون. ونُري فرعون وهامان وجنودهما. بالنصب، ولو قُرئت بالياء ونَصبُ فرعون. يريد: ويُري اللهُ فرعون. كان الفعل لله، ولم أَسمعْ أَحد قرأ به ) ) [3] . والى مثل هذا ذهب الداني بقوله: (( ويرى فرعون وهامان وجنودهما، بالياء، مفتوحة، وفتح الراء، وإمالة فتحتها، ورفعُ الاسماء الثلاثة بعدها، وهذه قراءة أَهل الكوفة الا عاصمًا، وأمَّا الباقون فقرؤا بالنون مضمومةً وكسر الراء، وفتح الياء بعدها ونصب الثلاثة بعدها ) ) [4] . (( والرواية بصرية، وفرعون وما عُطِفَ عليه مفعول أَوَّل، وما كانوا يحذرون مفعولُ ثانٍ، وأَمّا إِذا فُتِحتْ الراءُ تجب إِمالة الأَلف إِمالةً محضة، وتُرْفعُ الاسماء الثلاثة على الفاعلية. وسيكون له مفعول واحد فقط وهو (ماكانوا

(1) ينظر: شرح ابن عقيل 2/ 207.

(2) الفتوحات الالهية 3/ 279.

(3) معاني القرآن 2/ 302.

(4) التيسير للداني 120، النثر في القراءات العشر 2/ 341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت