الصفحة 167 من 301

القراءتين ولم يرَ أَيَّ فرق بينهما فقال: (( إِنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأَمصار، متقاربتا المعنى، فأيهما قرأ القارئ فمصيب والصواب فيه ) ) [1] .

اما الطبرسي (ت 548هـ) فقد رأى خلافًا بين القراءتين أوضحه بقوله: (( إنَّ الحاذر الفاعلُ للحذر، والحَذِرُ المطبوع على الحذر ) ) [2] . من ملاحظة المعنى في هاتين القراءتين يتّضح أن دلالة (حذر) في الآية المباركة لم تخرج من الدلالة المعجمية للكلمة، لأَنَّ القول: رجلُ حذر يعني: متيقظ [3] ، كما أَنَّ (حاذرون) متأهبون، وهذا هو المعنى المعجمي [4] . والقراءتان لم تنأ عن هذين المعنيين.

القراءة الثالثة: (حادرون) بالدال غير المعجمة، وعلى هذه القراءة تُنفى صفة الحذر اصلًا، لأَنَّ الحادر: السمين [5] . اما القرطبي (ت 671هـ) فقد رأى أَنَّ (حادرون) مشتقُ من القول: عينُ حَدْرةُ، أَي: ممتلئة، وعلى هذا يكون معنى القراءة، نحن ممتلئون غيضًا [6] . ويبدو أَنَّ من ذهب الى هذه القراءة لما رأى أَن تعالى أَخبر على لسان فرعون قوله: (( وإنَّ لهم لغائظون ) )أَي: إِنَّ قوم موسى (عليه السلام) يُغيظوا فرعون وقومه، فجاءت المقابلة بأَننا نغيظُهم أيضًا. وفي معنى آخر لهذه القراءة فيمكن أَنْ يُقال: رجلُ حادر، إِذا كان سمينًا، أي: ممتلئ اللحم، ويمكن أَن يكون معناه ممتلئ السلاح؛ لأَنَّ المعنى يكون أكثر توافقًا مع الآية [7] . وهذا المعنى يقترب مما ذهب اليه الزمخشري من قبلُ، فكلا المعنيين يُفيدان معنى القوّة ورباط الجأش، وهذا يبتعدُ من حيث المعنى عن (حذرون) إذا أُريد منها صفة السمن دون تأويل لمعان السمن. ويقتربُ من (حاذرون) .

(1) جامع البيان عن تأويل آي القرآن 19/ 77.

(2) مجمع البيان في تفسير القرآن 7/ 190.

(3) ينظر: تاج العروس من جواهر القاموس 10/ 564 - 565.

(4) ينظر: كتاب العين 3/ 199، الصحاح 2/ 626، لسان العرب 4/ 176.

(5) ينظر: الكشاف 3/ 315.

(6) ينظر: الجامع لاحكام القرآن 13/ 1.

(7) ينظر: المصدر نفسه 13/ 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت