متأملًا، لا الغافل كالميت، أو معلومًا منه أَنه يؤمن فيحيا بالإيمان )) [1] . فالقرآن الكريم عمد إِلى إِنذار من يتوقع منه الاستماع والاتعاط بذلك الإِنذار فاحتصّ به، أما سواه فلم يُنذر في الآية محل البحث.
حين يكون القرآن الكريم بجملته منذرًا يرد في الذكر الحكيم أَن من آياته وأَحاديثه نُذُرًا للعباد. فقد جاءت آيات لتؤدّي مهمة الإنذار وهذا ما أوضحه تعالى بقوله:
(( وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ، سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ، لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) )إبراهيم 49 - 52.
هذه الآيات الكريمة وبعضُ الآيات السابقة لها جاءت لتفيد دلالة الإِنذار. أَشار العديد من المفسرين الى أنَّ هذه الايات هي الواعظة والمذكرّة لاسيما أَنّ قوله تعالى: (( ولينذروا ) )متعلّق بالبلاغ [2] . قال الزمخشري في هذه الآيات: (( كفايةُ في التذكير والموعظة ) ) [3] . وكأَنَّ تلك الآيات اختصت في تأدية وظيفة الإنذار فضلًا عن تأدية القرآن لها. ولم ينأ الفخر الرازي عن هذا المعنى فقد أَفاد الدلالة ذاتها إذ قال: (( هذه الآياتُ مشعرةُ بأَنَّ التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإِقبال على العمل الصالح. وإِنَّ المرء إِذا سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفُه فاشتغل بالنظر والتأمّل ) ) [4] . إنَّ هذه التخويفات والتهديدات لم يُصرّح بها حين ذكر تعالى: (( وَلِيُنذَرُوا ) )بل كان هناك قولًا سبق هذا القول قد أُضمر وهو (( لينتصحوا ) ) [5] . فالإِنذار في الآية المباركة قُدّم له بنصيحة تؤدّي معناه. أَما الدكتور فاضل السامرائي فقد ذهب إلى أَبعد من هذا بقوله: (( أَما العطفْ، ولينذروا، وليعلموا، وليذكّر، فهو من باب عطف الشيء على مرادفهِ،
(1) الكشاف 4/ 27. وينظر: التفسير الكبير 26/ 105 - 106.
(2) ينظر: اعراب القرآن، للنحاس 2/ 188، التبيان في اعراب القرآن 2/ 775.
(3) الكشاف ط بيروت 2/ 546.
(4) التفسير الكبير 20/ 150.
(5) ينظر: الكشاف ط بيروت 2/ 568.