كقولنا: عملك عني وظلال، فالآيةُ المباركة قد جمعت الألفاظ ذات المعنى المتقارب التي تدلُّ على الوعظ والتهديد )) [1] . على هذا سيكون الإِنذار الذي تحمله الآيات التي جاءت منذرةً فيها من الدلالة على الشدة مما لايخفى؛ لاسيما وتلك التهديدات يتلو بعضها بعضًا.
ما سبق تبينت لك مواضع الذكر الحكيم التي أَفادت دلالتها كون القرآن مُنْذرًا. ولو تدبرت المواضع الأَخر التي ورد فيها القرآن مرافقًا لذكر الإنذار تلاحظ القرآن الكريم جُعِلَ الوسيلة التي اعتمدها الإِنذار، فلم يكُ القرآن في تلك المواضع منذرًا بل كان الواسطة التي اُعْتُمِدت في التحذير والإنذار. هذه الدلالة أفادها القرآن باستعمال لفظة (نذر) بصيغتي: الفعل المضارع، وفعل الأمر. فلنتدبر معًا تلك المواضع.
من مواضع مجيء هذا المعنى بصيغة المضارع قوله تعالى: (( وأوحي الَّ هذا القرآن لأُنذركم به ومن بلغ ائنكم لتشهدون انَّ مع الله الهة اخرى ) )الانعام 19. تلاحظ في الآية المباركة القرآن الكريم لم يكن منذرًا بل النبي الاكرم (( - صلى الله عليه وسلم -) المُنْذِر، لكنَّ القرآن كان الوسيلة التي اعتمدها (( - صلى الله عليه وسلم -) في إِنذاره وتبليغه. وأنت تلاحظ دلالة الانذار في الآية المباركة جاءت عامةً مطلقةً لا تختص بأُناس دون سواهم.
قال الفرّاء في قوله تعالى: (( ومن بلغ: (( يريد ومن بلغه القرآن من بعدكم ) ) [2] . فكلُّ من يبلغه القرآن يدخل مع المُنْذَرين. وإلى مثل هذا ذهب الزمخشري فقد رأى قوله: (( ومن بلغ ) )فيه دلالة على إنذار المُخاطبيِن، لأَنَّ تقدير الكلام: أُنْذِرُكم به وأُنْذِر كلَّ من بلغه القرآن من العرب والعجم [3] . وتطالعك الدلالة ذاتها والانذار بصيغة الفعل المضارع في قوله تعالى: (( قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ) )الأَنبياء 45. أَفاد القرطبي (ت 672هـ) أَنَّ الآية تحذيرُ بالقرآن الكريم وهذا يتضح من قوله: (( قل إنما انذركم بالوحي، اي: أُحذّركم بالقرآن ) ) [4] . فلم يكن القرآن في الآية محل البحث مُحذِّرًا بل كان
(1) معاني النحو 3/ 259.
(2) معاني القرآن 1/ 329.
(3) ينظر: الكشاف 2/ 11، الجامع لأَحكام القرآن 5/ 398.
(4) الجامع لأحكام القرآن 11/ 292.