واسطة التحذير. أَما الزمخشري فقد أَورد في هذا الموضع تساؤلًا وأَجاب عنه، فقد قال: (( الصم لا يسمعون دعاء المبشّر كما لايسمعون دعاء المُنْذِر، فكيف قيل: (( إذا ما يُنذرون ) )؟ قلت: اللامُ في الصم إِشارة الى هؤلاء المُنْذَرين، كائنة للعهد لا للجنس، والأَصلُ: لا يسمعون إِذا ما يُنْذَرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامهم وسد أَسماعهم إِذا أُنذروا، أَي: هم على هذه الصفة من الجرأَة والجسارة على التصام من آيات الإِنذار )) [1] . فهم ليسوا صُمًَّا في الأَصل بل اُطلقت تلك الصفة عليهم للدلالة على عدم سمعهم واصغائهم للإِنذار، وفي ذلك توبيخ لهم على فعلهم. أَما الآلوسي فقد أَوضح سبب اختيار الدعاء مع الإِنذار في الآية محل البحث بقوله: (( إِنَّ إِيثار الدعاء الذي هو عبارةُ عن الصوت والنداء على الكلام؛ وذلك لأَنَّ الإِنذار عادةً يكون بأصوات عالية مكررةٍ مقارنة لهيئات دالّة عليه فإذا لم يسمعوها يكن صممهم في غايةٍ لم يُسمع بمثلها، وقيل: لأَنَّ الكلام في الانذار ) ) [2] . من هذا يتضح أَنَّه تعالى قال: (الدعاء) للدلالة على أَنَّ الإنذار في الاية محل البحث قد أُدّي بصوت عالٍ وجهوري وهذا ما يُضفي عليه صفة الشدة. والمعنيان -الإنذار والدعاء- متوافقان فكلاهما تبليغُ وتحذيرُ. ومن ورود القرآن الكريم وسيلةً في الإِنذار قولُه تعالى: (( إِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا ) )مريم 97. أشار العديد من المفسرين الى أَنَّ النبي الأَكرم (( - صلى الله عليه وسلم -) هو المُنْذِر في الآية المباركة، أَما الوسيلة التي اعتمدها في تأدية الانذار فهو القرآن الكريم. [3]
اما مجيء هذا المعنى بدلالة فعل الأَمر فقد جاء في موضع واحد من الذكر الحكيم وهو قولُه تعالى: (( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ) )الانعام 51. أَشار الفخر الرازي الى أَنَّ النبي الاكرم (( - صلى الله عليه وسلم -) هو المُنْذِر في هذه الآية،
(1) الكشاف 3/ 119 وينظر: التبيان في تفسير القرآن 17/ 253، التفسير الكبير 22/ 175 - 176، الميزان في تفسير القرآن 14/ 291.
(2) روح المعاني 17/ 53.
(3) ينظر: التفسير الكبير 21/ 256، الجامع لأَحكام القرآن 11/ 163، الميزان في تفسير القرآن 14/ 117.