أَمّا الضمير الذي حمله قوله تعالى: (به) فعائدُ الى القرآن [1] .وعلى هذا يكون القرآن وسيلة النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) لإنذار قومه؛ لما يحمله القرآن من آيات تخويف وعبر ومواعظ.
ما سبق عرضُ موجزُ لمواضع الذكر الحكيم التي أَفادتْ أَنَّ القرآن مُنْذِرُ ومحذِّرُ، وقد جاء هذا المعنى بدلالة الاسم (نذير) مرةً واحدة، وأربع مرّات بدلالة الفعل المضارع، ومرّتين بالصيغة ذاتها إلاَّ أَنه -القرآن- وسيلة الإِنذار. أَمَّا الفعلُ الماضي فلم نلحظ له ذكرًا في تلك المواضع. من هذا يتبيّن لمّا أُريد بيان صفة القرآن اُختير له (نذير) (( والنذير يكون بمعنى المُنْذِر ) ) [2] ، وإذا أُريد هذا المعنى (مُنْذِر) أصبحتْ دلالةُ الإنذار شاملةً وبلغتْ مرتبةً عظيمةً [3] . أمَّا اختيار صيغة الفعل فهي تفيد التجدد والحدوث، اي: إِنَّ إنذار القرآن متجددًا مستمرًا. وهاتان الدلالتان (الشمولية والاستمرار) تضيفان صفة الترهيب عند ذكر القرآن منذرًا.
الشيبُ نذيرًا
قال تعالى: (( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) )فاطر 37.
مما يُلاحظ في الآية المباركة أَنَّ الله سبحانه قرر مجيء النذير وترتب على مجيئه العذاب الذي أحلّه الله بهم. قرر عدد من المفسرين في الآية محل البحث أن النذير أُريد به الشيب، فالمشيبُ هو المُنْذَر من اقتراب الاجل الذي سيحلُّ بالانسان [4] .
التحذير بلفظة خَشِيَ واشتقاقاتها
من السُبُل التي اُتّبعت في الذكر الحكيم لبيان خوف العباد وحذرهم استعمال لفظة (خَشِي) فقد جاء في الذكر الحكيم في مواضع عدّة هذا اللفظ وأُريد به دلالة الخوف
(1) التفسير الكبير 12/ 232.
(2) لسان العرب 5/ 202.
(3) ينظر: روح المعاني 1/ 150.
(4) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 22/ 434، الجامع لأحكام القرآن 14/ 352، التبيان في اعراب القرآن 2/ 1076، روح المعاني 22/ 201، الميزان 17/ 48.