الآية المباركة عمدت إلى أأُسلوب النهي (لاتقصص) لتفيد معنى التحذير والنصيحة الموجّه من يعقوب -ع- الى ابنه [1] . لما في القصة من آثار جمّة تؤدي إلى الكيد الذي سيلاقيه يوسف -ع-، لقد أشار الزمخشري (ت 538 هـ) إِلى أَنَّ الأَثر المترتب على رواية القصة وهو قوله: (فيكيدوا) له من البلاغة في التخويف التي تتضحُ من قوله: (( فيكيدوا، منصوب باضمار(أن) ، والمعنى: إِنْ قصصتها عليهم كادوك. فإِن قلت: هلا قيل: فيكيدوك، كمل قيل: فيكيدوني؟ قلت: ضمن معنى فعل يتعدّى باللام ليُفيد معنى فعل الكيد مع إِفادة معنى الفعل المضمن فيكون اكد وأبلغ في التخويف )) [2] . ومن الطبيعي أَن يعمد يعقوب -ع- الى التعابير التي توحي بشدة العاقبة ليتوافق مع تحذيره لولده كي يتجنّب ما حُذِّر منه.
وفي القصة ذاتها خاطب يعقوب -عليه السلام- بنيه يحذرهم أمرًا، قال تعالى (( وقال يابنّي لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أَبواب متفرّقة ) )يوسف /67، وأنت تلاحظ ان يعقوب. -عليه السلام- ينهى بنيه عن الدخول من باب واحد لسبب أَوضحه الآلوسي بقوله: (( نهاهم. -عليه السلام- عن ذلك حذرًا من إِصابة العين ) ) [3] . فالموضوعات كلاهُما اللذان جاءا على لسان يعقوب -ع- أفادا التحذير الذي ورد بإسلوب النهي. ومن التحذير بالإسلوب ذاته قوله تعالى: (( ولا تبذر تبذيرا إِن المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورًا ) )الاسراء 26/ 27. مما لا يخفى عليك أَنَّ الآية جعلت المبذّر أَخًا للشيطان؛ لتنبّه على قبح هذا العمل. قال الرازي: (( نبّه تعالى على قبح التبذير بإضافتهِ إِياه إِلى أَفعال الشياطين، فقال: إن المبذرين كانوا إِخوان الشياطين، والمرادُ من هذه الأُخوّة التشبيه بهم في هذا الفعل القبيح، وذلك؛ لأَنَّ العرب يُسمّون الملازم للشيء أَخًا له فيقولون: فلانُ
(1) ينظر: التبيان في تفسير القرآن 12/ 17، مجمع البيان في تفسير القرآن 5/ 209، التفسير الكبير 18/ 89.
(2) الكشاف 2/ 444.
(3) روح المعاني 13/ 15.