الصفحة 256 من 301

غزلها من بعد قوة انكاثا )) [1] . وفي السورة ذاتها يحذّر الله من أَمر خطير يتضحُ لك عند قراءتك لقوله تعالى: (( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ ) )النحل 116. فجاء التحذير من الكذب على الله سبحانه. وفي الآية الكريمة أورد الزمخشري تساؤلًا عن المعنى الذي أفادته الآية ثم اجاب عنه، قال: (( فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو فصيح اللسان وبليغُه جعل قولهم كأَنَّه عينُ الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلّت الكذب بحليته وصوّرته بصورته ) ) [2] ومن التحذير من الكذب قوله تعالى: (( قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى ) )طه 61. وانت تلاحظ ان الآية الكريمة قدمت (ويلكم) التي تُفيد التهديد والوعيد على التحذير [3] ؛ وذلك لتُبيّن مدى بشاعة الأَمر المحذر منه، (( لأَن موسى(ع) قدّم قبل كل شيء الوعيد والتحذير )) [4] . ومن جملة ما جاء في الذكر الحكيم من الشؤون الإِجتماعية تحديد طريقة التعامل بين الولد ووالديه، وفي هذا المعنى نقتصرُ على موضع واحد يبين الحرص الشديد والاهتمام البالغ بهذه العلاقة، قال تعالى: (( فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا ) )الإِسراء 23. وأَنت تلاحظ الآية الكريمة اختص نهيها بقوله (( أُفِّ ) )يدلَّ على أَنَّ النهي شمل أَنواع الإِيذاء كلها. قال الرازي (ت 606هـ) : (( فإِنَّ اللفظ إِنما دلَّ على المنع من التأفيف، والضرب أَولى بالمنع من التأفيف،( ... ) وإِذا عرفت هذا فتقول: المنعُ من التأفيف إنّما يدلُّ على المنع من الضرب بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأَدنى إلى الأَعلى )) [5] . ومن التحذير باسلوب النهي في العلاقة بين الأَب وابنه ما ورد ذكرُه في قصة يوسف -ع- حين حذّر يعقوب -ع- ابنه بعدم ذكر رؤياه لإخوته، قال تعالى (( قَالَ يَابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ) )يوسف /5. تلاحظ ان

(1) البلاغة، فنونها وافنانها 91.

(2) الكشاف 2/ 615، وينظر: مجمع البيان 6/ 390، التفسير الكبير20/ 132، تفسير القرآن العظيم 2/ 608.

(3) ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 8/ 18.

(4) التفسير الكبير 22/ 73.

(5) المصدر نفسه، 20/ 189، ينظر: روح المعاني 16/ 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت