الآيتين الكريمتين القومَ قد نُهوا عن نقص المكيال والميزان. رأى العديد من المفسرين النهي في الآية المباركة (لا تنقصوا) أَفاد التحذير من الغلاء الذي ينزل بهم إِذا ما عمدوا إلى التطفيف، قال الشيخ الطبرسي (ت 548هـ) : (( المعنى: إِنّه حذّرهم الغلاء، وهو زيادةُ السعر، وزوال النعمة، وحلول النقمة ) ) [1] . وقد تابع الفخر الرازي (ت 606هـ) سابقه على هذا المعنى إِذ قال: (( إِنّه حذّرهم من غلاء السعر، وزوال النعمة، إِنْ لم يتوبوا، فكأَنّه قال: اتركوا هذا التطفيف وإلاَّ أَزال الله عنكم ما حصل عندكم من الخير والراحة ) ) [2] . لو أَعدت النظر في الآيتين المباركتين تلاحظ القومَ قد نُهوا عن نقص المكيال فأُمِرُوا بإيفاء المكيال ثم نُهوا عن بخس الناس أَشياءهم، وهذه السياقات والأَساليب متقاربة الدلالة، فما الفائدةُ من تكرارها؟ هذا ما أورده الزمخشري وأَجاب عنه، إذ قال: (( فإن قلت: النهي عن النقصان أَمْرُ بالإِيفاء، فما فائدةُ قوله: أوفوا؟ قلت: نُهوا أوّلًا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان، لأَنَّ في التصريح بالقبيح نعيًا على المنهي وتعييرًا له، ثم ورد الأَمرُ بالإيفاء الذي هو حَسِنُ في العقول مصرّحًا بلفظه لزيادة ترغيب فيه وبعث عليه ) ) [3] . ولم ينأ الفخر الرازي عن هذا المعنى فقد أوضح سبب التكرار بقوله: (( وقع التكرير في هذه الآية من ثلاثة أوجه؛ لأَنَّه قال أوّلًا ولا تنقصوا المكيال والميزان. ثم قال: أَوفوا المكيال والميزان، وهذا عينُ الأَوّل، ثم قال: ولا تبخسوا الناس أَشياءهم، التكرير يُفيد التأكيد وشدة العناية والاهتمام ) ) [4] . من هذا يتضح اِنَّ أُسلوب النهي الذي أَفاد التحذير قد أُكِّدَ بإِسلوبي الأَمر ثم النهي؛ لما للمنهي عنه أَو المحذَّر منه من أَهميةٍ بالغةٍ يُراد الالتزام بها. ومن الشؤون الإِجتماعية المهمة العهدُ فقد حَذَّر تعالى من نقضه إذ قال: (( وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا ) )النحل 92. ولا يخفى عليك أَنَّ الآية اعتمدت أُسلوب النهي لتجعله وسيلة تحذّر به من نقض العهد، قال الدكتور فضل حسن: (( وها هو القرآنُ يحذّرُ من نقض العهد ويُبيّن ماله من نتائج ضارةٍ وآثار سيئة، فيقول: (( ولا تكونوا كالتي نقضت
(1) مجمع البيان في تفسير القرآن 5/ 187.
(2) التفسير الكبير 18/ 40.
(3) الكشاف 2/ 417
(4) التفسير الكبير 18/ 40.