أما في اصطلاح النحاة فهو (( تنبيه المدعو ليقبل عليك ) ) [1] ، أو (( التصويت: بالمنادى ليعطف على المنادي ) ) [2] . أَما البلاغيون فقد أفادوا المعنى ذاته فقد ذكر السبكي في بيانه للنداء أنه (( طلب إقبال المدعو على الداعي بأحد حروف مخصوصه ) ) [3] . وهذه الأحرف المخصوصة هي: (( الهمزةُ، وأي، و يا، و آ، وآي، و أيا، و هيا، و وا ) ) [4] . وأنت تلاحظ تعدد الأَحرف التي اُستعملت في أُسلوب النداء ولم يكُ تعددها لمجرّد الكثرة بل كان تعددها تبعًا لدلالات معينة ومن تلك الدلالات المسافة التي تفصل بين المنادي والمنادى، فقد خُصّصت الهمزة وأي لنداء القريب، أي حين تكون المسافة الفاصلة بين المنادي والمنادى قريبة وقد عُمد الى هذين الحرفين؛ لانعدام المد فيهما فإنَّ العرب يمدون أحرف النداء (( للشيء المتراخي او للإِنسان المعرض عنهم، إذ يرون أَنَّه لا يقبل
عليهم الا باجتهاد او النائم المستثقل )) [5] . أمَّا الأدوات الأَخرى فقد خُصصت للمسافات البعيدة [6] . استعمل القرآن الكريم أُسلوب النداء في مواضع عدّة. ولمّا كانت المواضع التي ورد فيها هذا الأُسلوب متعددة رافقها تعدد الدلالات التي أَفادها أُسلوب النداء، ومن الدلالات التي تفيدنا في هذا الموضع التحذير، فالآية المباركة تعمد إِلى أُسلوب النداء لتستدعي إصغاء المخُاطب عن طريق النداء، فإِنَّ الله سبحانه وتعالى حين ينادي الإنسان يريد أن يَقْبِلَ عليه ولمّا يستحوذ على سمعه يُلقي ما يريده عليه. (( فان الفائدة التي يتوخاها القرآن الكريم من النداء لفت نظر المنادي وتنبيهه على الأَمر الذي يلي النداء [7] ، وهذا يوضّح أَهمية ما يأتي بعد النداء سواء أَكان أَمرًا أم نهيًا أم إخبارًا. وفي هذا الموضع لنتأمّل معًا بعض آيات الذكر الحكيم التي اعتمدت أُسلوب النداء في مواضع التحذير.
(1) الإصول في النحو لآبي بكر بن السراج، تحقيق: عبد الحسين الفتلي، النجف، 1973م، 1/ 401.
(2) شرح المفصّل 8/ 118.
(3) عروس الافراح، لبهاء الدين السبكي ضمن شروح التلخيص، مطبعة عيسى البابي الجلبي، مصر، 2/ 333.
(4) كتاب سيبويه 1/ 325.
(5) كتاب سيبويه 1/ 325.
(6) ينظر: شرح ابن عقيل 2/ 255.
(7) الترغيب والترهيب في القرآن 97.