قال تعالى: (( يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) )البقرة 47. مما يُلاحظ في الآية المباركة افتتاحها بالنداء وذلك في قوله تعالى: (( يابني اسرائيل ) )وهؤلاء القوم قد جاءهم ذكرُ من الله سبحانه قبل بعثة النبي محمد (- صلى الله عليه وسلم -) فكفروا به، ثم كفروا ببعثة النبي محمد (- صلى الله عليه وسلم -) وكادوا لدعوته الكيد تلو الكيد فعمد تعالى إِلى تذكيرهم بنعمه التي أَنعمها عليهم محذّرًا إِياهم قسوتهم من الرسالة المحمديّة وجاء الأَمر بالتذكير مسبوقًا بالنداء حتى يستدعي انتباههم ويشد أَذهانهم ثم يُلقي عليهم ذلك التذكير.
ففي استعمال (يا) في هذا الموضع دلالة على غفلتهم وتماديهم بالباطل حسبما أَفاده أَحدُ الباحثين إذ قال: (( فجاء النداء بالحرف(يا) وأَنزلهم منزلة البعيد بسبب غفلتهم من الحق وتماديهم بالباطل )) [1] ، وحسب هذا لم تكُ الآية تحذيرًا لليهود فحسب بل تحذير لكلِّ من يبلغهُ النداء حتى لا يكون مثل هؤلاء القوم فهي تحذير (( من مرالق الطريق التي عثرت فيها اقدام الأُمم المستخلفة قبلهم ) ) [2] . ومن المعنى ذاته قولُه تعالى: (( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) )الحج 1. وأنت تلاحظ ان الأَمر بالتقوى والتخويف من زلزلة الساعة قد سبِقَ بإسلوب النداء، فحين يُقْبلِ المخُاطَب على المُخاطِب ويكون معه يقرر له ما ينفعه ويجنبه المخاطر [3] . فالنداءُ استدعى الانتباه من يوم القيامة التي من علاماتها الزلزلة والاضطراب (( لينظروا الى تلك الصفة ببصائرهم ويتصوّروها في عقولهم ) ) [4] . ومن الأمر الذي سُبق بنداء قوُله تعالى: (( يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ ) )المدثر 1 - 2 وأنت تلاحظ ان الآية المباركة تأمر النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بالإِنذار وقد صرّح عدد من المفسرين في الآية محل البحث ان الامر في قوله: (انذر، يعطي معنى حَذِّر) [5] . والأَمر بالتحذير لم يَكُ مفاجاءةً بل سُبق بتنبيه وطلب إِقبال، ولمّا تمَّ الانتباه والاقبال اللذين نتجا عن النداء
(1) المرجع نفسه 102.
(2) في ظلال القرآن 1/ 78.
(3) ينظر: البحر المحيط 6/ 349، أنوار التنزيل وأسرار التأويل 2/ 57، روح المعاني 17/ 110.
(4) الكشاف 3/ 141.
(5) ينظر: الكشاف ط بيروت 4/ 645، التفسير الكبير 30/ 190، الجامع لأحكام القرآن 20/ 61، البحر المحيط 8/ 370.