جاء الأَمر، وهذا يدلُّ على عظيم الشيء المراد فعلُه؛ لاستدعائه الإِقبال التام. ومنه ايضًا قولُه تعالى: (( قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) )الجمعة 6. الآية المباركة تدحض ادّعاءات اليهود الزائفة بأنهم أولياء الله فإن كانوا كذلك فِلمَ كرههم للموت وملاقاة الله؟ فالوليُّ بطبيعة الحال (( يحبُّ لقاء وليه، ومن أَيقن أَنه ولي الله وجبت له الجنة ولا حاجب بينه وبينها الا الموت، فأحب الموت وتمنى أَن يحلَّ به فيدخل دار الكرامة ويتخلّص من هذه الحياة الدنية ) ) [1] . هذه المعاني مُهِّدَ لها بالنداء، واُستعمل فيها حرف نداء البعيد مع كون الله سبحانه قريبًا منهم عالمًا بحالهم للدلالة على (( تنبيههم على غفلتهم مرهّبًا المسلمين من هذه الغفلة لكي لا يقفوا مثل هذا الموقف وينالوا سخط الله تعالى كما نالته اليهود بغفلتها عن الحق ) ) [2] . ومن إنزال القريب منزلة البعيد للتنبيه على عظم الأَمر المدعو اليه قولُه تعالى: (( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) )الكافرون 1 - 2.
النداء صادرُ من النبي (ص) الى الكافرين، ولم يَكُ الكافرون بمنأى عنه بل قريبون منه مكانًا لكن الآية المباركة عمدت الى حرف النداء (يا) الذي يُفيد البعيد لتُدلَّ على أنهم بعيدون عن الرسول بكفرهم بالله سبحانه وتعالى، وهذا تنبيهُ وتحذير من عظم ما ارتكبوه. وقد ذكر الآلوسي الدلالة التي يفيدها النداء في الآية محل البحث بقوله: (( ولعل نداؤهم بـ(ياأيها) للمبالغة في طلب اقبالهم لئلا يفوتهم شيء مما يلقى اليهم، ( ... ) او للمسارعة الى ذكر ما يقال لهم لشدة الاعتناء [3] كما ورد في الذكر الحكيم الامر مسبوقًا بالنداء فقد ورد اسلوب النهي مسبوقًا بنداء ايضًا. قال تعالى: (( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ) )النساء43. وأنت تُلاحظ الآية المباركة عمدت إلى أُسلوب النهي لتحذّر من قرب الصلاة في حالة السكر،
(1) الميزان في تفسير القرآن 19/ 267.
(2) الترغيب والترهيب في القرآن 102.
(3) روح المعاني 30/ 250.