وقد قدّمت لهذا التحذير أُسلوب النداء لتستدعي انتباه المُخاطَب الى هذا التحذير، ولم يخلُ النداء بـ (يا) من الدلالة، فقد أَنزلت الآية المخاطبين منزلة البعيد لتفيد عظيم الشيء المنهي عنه على الرغم من أَنَّ الله سبحانه أَقرب من حبل الوريد لعباده.
ومن المعاني التي يُفيدها النداء ما تدخل ضمن التحذير تعظيمُ الامور. قال سيبويه: (( وإذا قلت يا عجبًا فكأنك قلت: تعال يا عجبُ فإِنَّ هذا من أَيامك ) ) [1] من هذا يتبين أَنك لما تنادي غير العاقل للدلالة على تعظيم أمر المنادى. ومن هذا ما ورد في الذكر الحكيم من مواضع التحذير قولُه تعالى: (( يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ) )يس 30.
قال الزمخشري: (( ياحسرة على العباد، نداء للحسرة عليهم، كأنَما قيل لها: تعالي ياحسرة فهذه من أحوالك التي حقِّك أن تحضري فيها، وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى: إِنهم احقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ويتلهف على حالهم المتلهفون، أو هم متحسَّرُ عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين، ويجوز ان يكون من الله تعالى على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم ومحّنوها به، وفرط إِنكاره له وتعجيبه منه ) ) [2] . وقد تابع الزمخشري على هذا عدد من المفسرين إذ رأوا نداء الحسرة يُفيد تعظيمها. قال الطبرسي: (( وما معنى دعاء الحسرة وهي مما لايعقل، الجوابُ: إِنَّ العرب إِذا اجتهدت في المبالغة في الإِخبار عن أَمر عظيم تقع فيه جعلته نداءً، فلفظُه لفظ ما ينبّه والمنبّه غيرُه( ... ) ومعنى النداء تنبيه على أمر عظيم )) [3] . أَما ابو حيان فقد ذهب الى ما ذهب اليه سابقاه فقد قال: (( ونادوا الحسرة وان كانت لا تجيب على طريق التعظيم ) ) [4] . فالمتحسّر ينادي كلَّ من يتبادر إِلى ذهنه ظنًّا منه أَنه يُنقذه من العذاب الذي حلَّ به حتى يلجأ الى ما لايعقل، فأيُّ تخويف وتحذير بعد هذا؟
(1) كتاب سيبويه 2/ 217 - 218، ينظر: أَساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين 298.
(2) الكشاف 3/ 13.
(3) مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 292، ينظر: التبيان في تفسير القرآن 7/ 123.
(4) البحر المحيط 4/ 107.