قال الآلوسي: (( كأَنَّ المتحسّر انحسرت عنه قِواه من فرط ذلك، أو ادراكه إعباء عن تدارك ما فرّط به، والظاهرُ أَنَّ(يا) للنداء، وحَسْرةُ هو المنادى، ونداؤها مجاز بتنزيلها منزلة العقلاء، كأَنَّه قيل: ياحسرة احضري فهذه الحال من الأَحوال التي من حقّها أَن تحضري فيها )) [1] .
رأى ابنُ جني قولَه تعالى: (( ياحسرةً على العباد ) )قُرأت (( ياحسره على العباد ) )بالوقف على الهاء، وقد علل ذلك، بقوله: (( إِنَّ قراءة من قرأ ياحسره على العباد بالهاء ساكنة، إنما هي لتقوية المعنى في النفس؛ وذلك أَنَّه في موضع وعظ، وتنبيه، وإيقاظ، وتحذير، فطال الوقوف على الهاء كما يفعلُه المستعظم للأمر المتعجّب منه ) ) [2] . وقد رأى الآلوسي ما رآه سابقه من أَنَّ الوقف على قوله: (( ياحسرة ) )يضفي على المعنى دلالة التعظيم فقد قال: (( قف على حسره ) )وقفًا طويلًا تعظيمًا للأمر، ثم قل: (على العباد) ووقفوا على الهاء مبالغة في التحسّر؛ لما في الهاء من التّأهُّه )) [3] . ومن المعنى الدلالة ذاتها يطالعك قولُه تعالى: (( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) )الانعام31.
وأنت تلاحظ في الآية الكريمة الخاسرين ينادون الحسرة وكأنها تسمع نداءهم وما ذلك الا بيانًا لشدة هول الموقف الذي هم فيه. ومن ندم المفرطين وجزعهم قولُه تعالى: (( يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ) )الكهف 42.
قال الزمخشري: (( يجوز أن يكون توبة من الشرك وندمًا على ما كان منه ودخولًا في الإيمان( ... ) كلمةُ أُلجئ اليها فقال جزعًا مما دهاه من شؤم كفره. ولولا ذلك لم يقلها )) [4] . وتمنّي عدم الاشراك تحذير من الإِشراك.
(1) روح المعاني 23/ 3 - 4.
(2) المحتسب 2/ 208.
(3) روح المعاني 23/ 4.
(4) الكشاف 2/ 724.