الصفحة 264 من 301

الاستفهام

لغة (( معرفتُك الشيء بالقلب، فَهِمَه فَهْمًَا وفَهَمًا وفهامه عَلِمَه( ... ) واستفهمه مسألة أن يُفْهّمهَهُ، وقد استفهمني الشيء فأفهمته وفهّمْتَه تفهيمًا )) [1] .

أَمَّا الاستفهام عند النحاة فلم يك مغايرًا لمعناه المعجمي، فقد ذكر ابنُ هشام أَنَّ الاستفهام طلبُ الفهم [2] . أمّا البلاغيون فقد أَفادوا المعنى ذاته إذ ذكر السبكي في حدِّهِ للاستفهام بأَنَّه: (( طلبُ الفهم ) ) [3] .

لم يقتصر الاستفهام على دلالة طلب الفهم فحسب بل يخرج لإِفادة دلالات عدة تفهمها من طريقة الخطاب (التنغيم) الذي يخاطبك به المُسْتَفْهِم إنْ كنت متلقيا، وتستدلُّ على دلالته من السياق إِن كنت قارئًا. ومن الدلالات التي تهمنا في هذا الموضع التحذير، فقد ورد عن العرب استعمال أُسلوب الاستفهام ليُحذّروا به. قال سيبويه: (( حَدَّثنا بعضُ العرب أَنَّ رجُلًا من بني أَسد قال يومَ جَبَلَة واستقبلهَ بعيرُ أعور فتطيّر منه، فقال: يابني أَسد أعور وذا ناب؟! فلم يُرد أَن يسترشدهم ليُخبروه عن عوره وصحّته لكنه نبههم كأَنّه قال: أتستقبلون أعور وذا ناب؟! فالاستقبال في حال تنبيهه إِياهم كان واقعًا( ... ) وأراد أَن يُثبت لهم الأعور ليحذروه )) [4] .

من هذا يتّضح أَنَّ الاستفهام خرج من دلالته الأَصلية (طلب الفهم) الى دلالة أَخرى تم التوصّل اليها بطريق الاستدلال العقلي؛ لأَن (( الاستفهام في أَصل وضعهِ يتطلّب جوابًا يحتاج إِلى تفكير يقع به هذا الجواب في موضعه ) ) [5] وإِذا كان الوصول إِلى الدلالة عقليًّا يكون تأثيرُها في نَفْسِ متلقيها عظيمًا؛ لذا اعتمد القرآنُ الكريم أُسلوب الاستفهام ليُدلَّ به على التحذير. ويتمُّ ذلك عن طريق تجسيد الموقف ورسم الحدث أَمام العباد ليتدبرّوا

(1) لسان العرب 12/ 459.

(2) ينظر: مغني اللبيب 1/ 13.

(3) عروس الأَفراح ضمن شروح التلخيص 2/ 246، ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 326.

(4) كتاب سيبويه 1/ 343. ينظر: علم المعاني 55، جواهر البلاغة 95.

(5) من بلاغة القرآن، لأحمد بدوي، دار النهضة، القاهرة، 1978م: 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت