تلك الأَحداث بأناة. وفي هذا الموضع من البحث لنتأمل معًا بعض آيات الذكر الحكيم التي وظّفت الاستفهام لتدلَّ به على التحذير.
إذا أَنعمت النظر في مواضع التنزيل العزيز التي ذكرت الكفر أَو التنفير منه تلاحظ بعضها اعتمد أُسلوب الاستفهام ليُدلَّ به على شناعة الكفر وتهويل جرمه، وما ذلك الا تحذيرُ من الكفر. قال تعالى: (( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ ) )الانعام 93. مما يُلاحظ في الآية المباركة أَنها استفهمت عن عظم ذنب من يفتري على الله الكذب وتركت جوابَ سؤالها للقارئ أو المتلقّي يستنتجه حين يتأمّل معنى الاستفهام. قال الرازي في بيانه لدلالة الاستفهام في الآية محل البحث: (( يُفيد التخويف العظيم ) ) [1] . ومن هذا المعنى قوله تعالى: (( ام تقولون على الله ما لاتعلمون ) )البقرة 80 فقد أُخرج الاستفهام مخرجَ التحذير من هذا الفعل. قال الطبرسي (( هذا توبيخ من الله سبحانه لهم ) ) [2] . ومن هذا المعنى قولُه تعالى: (( أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا ) )الاسراء 40، فجاء الاستفهام رادًا ردَّ تحذير وإنكار لادّعاء المشركين بأَنَّ الملائكة أُناث وقد اصطفاهم الله سبحانه، فأنكر الله تلك الافتراءات وجعلها منافيةً للعقل، وأوقع الشيء المنكر بعد حرف الاستفهام؛ للدلالة على أَنَّه غير حاصل ومدّعيه كاذب [3] . ومن إِنكار الكفر والتحذير منه يطالعُك قولُه تعالى: (( وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا، وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا، قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) )الكهف 35 - 37. ولا يخفى عليك الحوار في الآيات المباركة بين من شيِّد جنةً في الأَرض وبين صاحبه، وقد جاء إِنكار الكفر وبيان شناعتهِ بعد أَن ظنَّ صاحبُ الجنة أَنها لن تبيد بإسلوب الاستفهام الذي اعتمد الهمزة، وقد أفاد دخول الهمزة على الفعل الماضي دلالة
(1) التفسير الكبير 13/ 84 - 85.
(2) مجمع البيان في تفسير القرآن 5/ 122.
(3) ينظر: البرهان في علوم القرآن 2/ 330 - 331.