الصفحة 270 من 301

السابقين والاستدلال عقليًا ونقليًا لسبب تلك النهاية وهذا ما أحدثه الاستفهام إذ دعا الى ذلك.

قال تعالى: (( قل سيروا في الأَرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذّبين ) )الانعام 11. وأنت تلاحظ الآية الكريمة تأمر بالسير في الأَرض ثم النظر فيها، ثم يأتي الاستفهام، ما الذي بدا لك حين سرت في أرض السابقين المكذبين؟ فأُسلوب الاستفهام يدعوك الى أَن تُدرك ببصرك وبفكرك وتستدلّ على نتيجة تتوصل اليها بنفسك. وما هذا الا تحذيرًا وزجرًا [1] . ومن هذا المعنى لكن ليس مع المكذبين بل مع المفسدين، قوله تعالى: (( واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين ) )الاعراف 86. قال الفخر الرازي في الآية محل البحث في بيانه لدلالة الاستفهام: (( احترزوا من الفساد والعصيان، وأطيعوا فكان المقصود من هذين الكلامين حملهم على الطاعة بطريق الترغيب اولًا والترهيب ثانيًا ) ) [2] . ومثله قولُه تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) )يوسف 108. وأنت تلاحظ أداة الاستفهام التي استفهمت عن العاقبة جاءت بعد الاستفهام عن السير للنظر الى الأَمم الخالية لكي (( يعتبروا بهم ويحذروا مثل ما أصابهم ) ) [3] . وقد أَفاد الطبرسي في موضع ثانٍ أَنَّ الاستفهام فيه دلالةُ على عظيم العذاب، إذ قال: (( فكيف، إِشارةُ الى تفخيم العقاب وتعظيمه ) ) [4] . أما من سُبِقَ لهم أَن أُنْذرِوا ولم يتعظوا بالإِنذار فقد جاء أُسلوب الاستفهام مركّزًا على ما آلت اليه عاقبتهم، قال تعالى: (( فكذّبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف واغرقنا الذين كذّبوا بآياتنا فانظروا كيف كان عاقبة المنذرين ) )يونس 73. وأنت تُلاحظ أداة الاستفهام (كيف) استفهمت عن عاقبة

(1) ينظر: مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 277.

(2) التفسير الكبير 14/ 176، ينظر: تفسير القرآن العظيم 2/ 237.

(3) مجمع البيان في تفسير القرآن 5/ 269.

(4) المصدر نفسه 6/ 295.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت