الصفحة 269 من 301

محل البحث: (( إِنّ الله أهلك قريات كثيرة بتمرّدهم في المعاصي فحذّر أَن يُعمل مثل عملهم فينزل بالعامل مثل ما نزل بهم ) ) [1] . ومثله ما ذهب اليه الطبرسي إذ قال: (( وهذا تحذير أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، فقال لهم: وكم من قرية ) ) [2] . ومن أخبار الأُمم السالفة التي جيء منها في الذكر الحكيم لُيؤخذ بها العظةُ والحذر مما كان عليه المعاقب قولُه تعالى: (( الم ترَ كيف فعل ربَّك بعاد ) )الفجر 6. أشار عدد من المفسرين في الآية محل البحث الى أَنها تحذيرُ للسامعين لئلا يكونوا مثل سابقيهم فيستحقوا عذاب الله [3] .

اما السيد قطب فقد بَيّن إِفادة أُسلوب الاستفهام في هذا المحل بقوله: (( وصيغةُ الاستفهام في مثل هذا السياق أَشدُّ إِثارةً لليقظة والالتفات( ... ) وهو تعبيرُ يُوحي بلذع العذاب )) [4] لاسيما أَن قوله: (( ألم تر ) )معناه: (( الم تعلم ) ) [5] إذ جعل العلم بمثابة الرؤية، وكأنَّ المخاطب كان حاضرًا وشاهد تلك الأَحداث وهذا يُزيد من التحذير الذي تهدف اليه الآية. ومن هذا المعنى قوله تعالى: (( أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ) )الفيل 1 - 2. ولا يخفى ما في الآية من تخويف وتحذير من أَن يكون حال المخاطب كمن جاء ذكرُه في هذه السورة. فهي في مجملها (( ترهيب من عقاب الله تعالى، والوعيد لمن يعتدي على حدوده، فكأنما قال: إِنَّ من يعتدي على حدود الله سيكون مصيره مثل مصير أصحاب الفيل ) ) [6] . ولا يخفى عليك أثر الاستفهام في الآية الكريمة فقد جاءت الهمزة مرّتين داخلةً على الفعل المضارع لتفيد الإِنكار الى جانب تقرير رؤية الحدث وهذا يدعوك الى التأمّل الذي يوصلك للحذر. ومما يدخل مع أخبار الأَمم السابقة لإفادة أخذ العبرة منها معتمدة أُسلوب الاستفهام حثُّ المخاطب على النظر في حال

(1) التبيان في تفسير القرآن 8/ 372.

(2) مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 397.

(3) ينظر: التفسير الكبير 31/ 166، الميزان 20/ 281.

(4) في ظلال القرآن 30/ 154.

(5) ينظر: التفسير الكبير 31/ 166.

(6) الترغيب والترهيب في القرآن 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت