البأس، والمفروض ان يكون الاستفهام عن القرى التي جاءها البأس الذي نتج عنه الهلاك. قال الفرّاء في هذا المعنى: (( إِنما أتاها البأسُ من قبل الهلاك، فكيف تقدّم الهلاك؟ قُلت: لأَنَّ الهلاك والبأس يقعان معًا، كما تقول: اعطيتني فأحسنت، فلم يكن الإحسان بعد الإِعطاء ولا قبله وانما وقعا معًا فما سستجيز ذلك، وإن شئت كان المعنى، وكم من قرية أهلكناها فكان مجيء البأس قبل الهلاك، فأُضمرت كان، وإنما جاز ذلك على شبيه بهذا المعنى ولا يكون في الشروط التي خلفتها بمقدم معروف أن يُقَدّم المؤخر، أو يُؤخر المقدم مثل قولك: ضربته فبكى، وأعطيته فاستغنى الا أَن تدع الحروف في مواضعها، وقولُه: (( أهلكناها فجاءها ) )قد يكونان خبرًا بالواو، أهلكناها وجاءها البأس بياتًا )) [1] من هذا يتبين أَنَّ المُسْتَفْهَم عنه إذا أُريد به الهلاك أو البأس فلا فرق بينهما؛ لأَن البأس هو الهلاك والهلاكُ هو البأس، وفي وجه آخر رأَى الفرّاء ذلك على إضمار (كان) . وقد ذهب الشيخ الطوسي الى مثل ما ذهب اليه سابقه فقد ذكر: (( أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسُنا، وقد قيل: هو مثلُ زرني واكرمني فإنَّ نفس الإِكرام هي الزيارة، أهلكناها فجاءها بأسُنا، فكان صفة اهلاكنا إنْ جاءهم بأسُنا ) ) [2] . أمّا النحاس فقد رأى في الاستفهام عن الهلاك دون البأس دلالةُ غير ما رأى سابقه وذلك بقوله: (( فإن قلت: فما وجه دخول الفاء في قوله: (( فجاءها بأسُنا ) )والبأس لا يأتي المهلكين انما يجيئهم البأس قبل الهلاك. ومن مجيء البأس يكون الإهلاك؟ فإنّه يكون المعنى في قوله: (( أهلكناها ) )قربت من الهلاك ولم تُهلك بعد، ولكن لقربها من الهلاك ودنوها وقع عليها لفظ الماضي لمقاربتها له وإحانته إياها، ونظيُر هذا قولهم: قد قامت الصلاة ( ... ) فأوقع عليها لفظ الماضي على الهلاك لمقاربته منه، ومراده الآتي، وكان المعنى: وكم من قريةٍ قاربت الهلاك فجاء البأسُ ليلًا او نهارًا )) [3] . وهذا الرأي يصرف الاستفهام الى وقت العذاب الذي تمَّ فيه البأس والهلاك. وعلى تباين الرأيين في تحديد المُسْتَفْهم عنه تبقى دلالة الاستفهام واحدة وهي تحذير السامع حتى لاتكون نهايته نهاية من ذُكِرَ في الآية. قال الشيخ الطوسي في الآية
(1) معاني القرآن 1/ 371.
(2) التبيان في تفسير القرآن 8/ 372.
(3) اعراب القرآن 1/ 97.