عبادة الله وحده من جهة أُخرى بإسلوب الاستفهام قولُه تعالى: (( وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ(20) اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ))يس 20 - 22. ولا يخفى عليك حديث الرجل الذي ينصحُ فيه القوم ويرشدهم لما فيه سعادتهم ويحذّرهم مما يؤدّي بهم الى الهاوية. فقد اعتمدت الآية الاستفهام لتبين إِنكار المتكلّم على نفسه عبادة غير الله، وإنكاره على نفسه ذلك الفعل (( ليجعلهم أكثر تقبّلًا للنصيحة فلا يُثير في نفوسهم الغضب بمجاهرتهم بالنكير وإنما يطوي الإنكار في أثناء الكلام ) ) [1] . وبهذا الأُسلوبِ اللطيفِ الرقيقِ يكون قد أفاد الترهيب من عبادة غير الله؛ لأَنَّ تلك العبادة لو كانت نافعةً لاتخذها لنفسه فإِنه أُولى بها، وما دامت عكس ذلك لم يرضَ بها لنفسه وحذّر غيَره منها بإسلوب مهذّب.
لو تتبعت مواضع الذكر الحكيم التي أَخبرت عن الأُمم السابقة تلاحظ أَنَّها اعتمدت أُسلوب الاستفهام كثيرًا لإِفادة تحذير السامع كي يتعظ بمن قبله، فلنقفْ سوية عند بعض مواضع الذكر الحكيم التي أخبرت عن الامم السابقة معتمدة الاستفهام.
قال تعالى: (( فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون،، أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ ) )الانعام 5 - 6. وأنت تلاحظ الآية المباركة وظفت اداة الاستفهام (كم) لبيان الهلاك الذي أُلحق بالسابقين نتيجة تكذيبهم الحق. لقد أفاد المفسرون أَنَّ الاستفهام في الآية المباركة أريد منه التحذير [2] ؛ وذلك لأَنَّ السامع إِذا علم بإهلاك من قبله وعلم سبب الهلاك حذره ويطالعك من هذا المعنى قوله تعالى (( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ) )الأعراف 4. وأنت تلاحظ الاستفهام في الآية المباركة يستفهم عن القرى التي أُهلكت بسبب عصيانها ربها، ومما يُلاحظ في الآية أَنها استفهمت عن القرى التي أُهلكت فجاءها
(1) الترغيب والترهيب في القرآن 85.
(2) ينظر: الكشاف 2/ 5، مجمع البيان في تفسير القرآن 4/ 275.