الصفحة 28 من 301

قرع سمعهِ )) [1] . من الأَقوال السابقة يتبيّنُ أَنَّ العلماء تقاربت أَقوالُهم في بيان فائدةِ الأَحروف المقطَّعةِ في أَوائلِ بعض السور، وهذه الفائدة تتجلّى بإثارةِ إِنتباه المُخَاْطَبِيِن وشدِّ أَذهانهم؛ لما في هذه المقاطع من غرابةٍ على أَسماعهم، وخروجٍ ممّا هو مألوفُ عندهم. ولم يقتصرْ هذا القول على العلماء القدامى بل تابعَهم المحدثون على ذلك، فهاهي الدكتورة عائشة عبد الرحمن تقول: (( هي أَصواتُ للتنبيه كما في النداء، عَمدَ إليها القرآنُ ليكونَ في غرابتها ما يُثير الالتفات. وقد تُرِكَ ما أَلفوا من ألفاظ تنبيه الى ما لم يأَلفوا لكي يكون أَبلغَ في قرع الأَسماع ) ) [2] . لقد جاءت هذه الأَحروف التي في أوائل بعضِ السور على ضربين: ضربُ منها جاءت مفردةً لا يُشاركها غيرها مكانها، وضربُ منها جاءت مجتمعةً، وقد يجتمع حرفان أَو ثلاثة أحرف أو أكثر. إِنَّ هذين الضربين على تباين أحرفهما وعددها قد اتحدا ليؤدَّيا غرضًا واحدًا هو إثارة الانتباه كما سبق بيانه. وفي هذا الموضع لنقف معًا عند كلا الضربين حتى نعرفَ الأَثرَ الصوتي للحروف المقطعّة ومدى توافق الأَحرف مع السورة التي تصدّرتها.

الضرب الأَول: الحروف المفردة

افتتحت ثلاث سورٍ مباركة في القرآن الكريم بحرف مفرد، وهذه السور هي: (ص، ق، القلم) . لقد تعرّض الفرّاء (ت207) الى هذه الأَحرف واعطانا قاعدةً عامةً في إيضاح الكيفية التي تكتبُ فيها هذه الأَحرف، مضيفًا الى هذا كيفّية النطق. فلنتدبّر معًا قول الفرّاء: (( وإذا كان الهجاءُ في أَول سورة فكان حرفًا واحدًا مثلُ قوله: ص، ن، ق. كان فيه وجهان في العربية: إِن نويتَ به الهجاء تركته جزمًا وكتبته حرفًا واحدًا. وإِنْ جعلته اسمًا للسورة، أَو في مذهب قسم كتبته على هجائه(نون) و (صاد) و (قاف) وكسرت الدال من صادِ، والفاء من قاف، ونصبت النون الآخرة من نون، فقلت: نونَ والقلم، وصادِ والقرآن، وقاف؛ لأنَّه قد صار كأنه أداةُ كما قالوا: رجلان، فخفضوا النون من رجلان لأنَّ قبلها

(1) الإتقان في علوم القرآن. عبد الرحمن بن ابي بكر السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل أبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1974: 3/ 27.

(2) الاعجاز البياني للقرآن، الدكتورة عائشة عبد الرحمن (( بنت الشاطئ ) )، دار المعارف، مصر، 1971: 1/ 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت