الاختلاف أَساسه الموضوع وَجَبَ عليَّ أن أقتصرَ في محلّيَّ هذا على فواتح السور التي تدخُل ضمن الوعيد والترهيب.
أوّلًا: الافتتاح بحروف التهجّي
هذا الضربُ كثيرُ في القرآن الكريم، فقد أُفتتُحِتْ تسعةُ وعشرون سورةً بالأحروف المقطّعة. إِنَّ هذه الأَحروف قد تجدُها أَحيانًا تكرر ذكرُها وقد لا تجد لها تكرارًا أَحيانًا أُخَر. لقد وقف كثير من المفسرين طويلًا عند هذه الأحروف وبذلوا الجهّدَ الكثير في تتبُع الأحاديث التي تُفسُرها، وقد تابعهم على ذلك مَنْ دَرَسَ علومَ القرآنِ بشكلٍ عام والإِعجازَ القرآني على وجه الخصوص. وفي هذا المقام نأخذُ جزءًا يسيرًا من تلك الأَقوالِ حتّى يتبيّنَ لنا بعض ما قالوه.
يقول كمالُ الدين بن عبد الواحدِ الزملكاني (ت651هـ) : (( إِنّها كالمهيّجةِ لمن سمعها من الفُصحاء، وموقِظةُ للهمم( ... ) أَلا تراها بمنزلةِ زمجرة الراعدِ قبلَ الماطرِ في الإِعلام لتعي الأَرضُ فضلَ الغمامَ، وتحفظَ ما أُفيضَ عليها من الإِنعام، وتخافَ مواضع الانتقام )) [1] . ويقرُب من هذا قول البيضاوي (ت791هـ) إذ قال: (( الفواتحُ إِيقاظُ لمن تحدَّى القرآنَ، وتنبيهُ على أَنَّ اصلَ المتلو عليهم كلامُ منظومُ مما ينظمون منه كلامَهم( ... ) وليكونَ أَولُ ما يقرَعُ الأَسماعَ مستقّلًا بنوع من الاعجاز )) [2] . وقد تابع السيوطي (ت911هـ) ، سابقه إذ قال: (( أُفْتتحِتْ السورُ بهذه الحروف لغرضِ التنبيهِ، وإنَّما لم تُسَتعْملْ الكلماتُ المشهورةُ في التنبيه كـ(ألآ و أَما) ؛ لأَنَّها من الأَلفاظ التي يتعارفُها الناسُ في كلامهم، والقرآنُ كلامُ لا يشبه الكلام، فناسبَ أَن يُؤتى فيه بألفاظٍ لم تُعهد؛ لتكونَ أَبلغَ في
(1) البرهان الكاشف عن اعجاز القرآن، لكمال الدين بن عبد الواحد الزملكاني (ت 651هـ) ، تحقيق: الدكتورة خديجة الحديثي، والدكتور احمد مطلوب، مطبعة العاني، بغداد، ط1، 1974: 57.
(2) أَنوار التنزيل وأَسرار التأويل. أو ما يعرف بـ (تفسير البيضاوي) ، للقاضي ناصر الدين أَبي سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي ت 791هـ. وبهامشه حاشية العلامة الفاضل ابن الفضل القرشي الصديقي الخطيب المشهور بالكازروني. مطبعة مصطفى محمد، صاحب المكتبة التجارية الكبرى بمصر، بدون تاريخ: 1/ 42.