الصفحة 30 من 301

أَولِ السورة. إِنَّك حين تنطقُ هذا الحرف كنطقك الأصوات ولا تلفظُه كلفظِك الحروف فتقول: ص، صاد، صوتًا نطقياًّ لا حرفًا مرسومًا مثل (ص) أو (إص) تجد هذا الحرفَ ردًّا مفحمًا في التحدّي الصارخ، لاسيما أَنَّ السورةَ التي وَرَدَ فيها مكيِّة، وأَنَّ الأَحداثَ التي رافقت قرعَ الأَسماع بهذا الصوت قد بلغت أَشدَّ القسوةِ على الرسالة المحمديّة [1] .

حرف القاف:

لو تأملّت السورة المباركة التي بدأَت بهذا الحرف وعرفت به (ق) تجدها بعد أنْ أُفتُتحِتْ به جاء القسمُ بالقرآنِ الكريم، يليه ما قاله الكافرون حين عجبوا لكون النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) منذرًا، ثمَّ تذكر السورة المباركة قدرةَ اللهِ على كلِّ شيءٍ، تتبعها بعضُ قصص السابقين وإحقاق الوعيد عليهم، الى أن تداهمهم سكرةُ الموت بالحقِّ، وتستمرُ السورةُ المباركةَ بمعانيها ومفرداتها السامية حتى تصل خاتمتها فنجد الله يأمرُ نبيه (( - صلى الله عليه وسلم -) أَن يذكِّر بالقرآن، فكما ابتدأَتْ السورةُ بالقرآن أُختُتمِت بالذكر ذاتهِ. لو تدبّرت هذه المعاني تُلاحظ كلَّ معنى منها يُفيد العبرةَ والموعظةَ وهذان الغرضان يتوافقان مع أول الكلام الذي هو حرفُ القاف. قال الزركشي (ت749هـ) : (( إِنَّ كلَّ معاني السورةِ مناسبةُ لما في حرف القاف من الشدِّ، والجهر، والقلقلة والانفتاح ) ) [2] . يتضحُ أَنَّ الزركشي عقد التناسبَ بين موضوعات السورةِ وبين حرفها الافتتاحي لما رأى في (( حرف القاف من الشدةِ والاستعلاء، حيثُ يستعلي اللسان عند النطق بالقاف، وكأَنَّ الناطق بهذا الحرف يدقُّ اعلى الحلقِ دقًّا، وهو كذلك ثقيلُ على السمع يكاد يخرق الآذانَ خرقًا ) ) [3] .

وحين اُفتُتحتْ السورةُ المباركة بالحرف (قاف) تلاه لفظُ آخر أَولُه القاف أيضًا وهو القرآن المؤلَّف من مثل هذا الحرفِ بل إِنه اولُ حرف في لفظ قرآني). (( وهذه البدايةُ(قاف) تتناسب مع السورة الرهيبة، الشديدة الوقع بحقائقها، الشديدةُ الوقع ببنائها المعنوي، وصورها

(1) ينظر: الصوت اللغوي في القرآن، موسوعة الدراسات القرآنية (2) ، الدكتور: محمد حسين علي الصغير، أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة الكوفة، دار المؤرخ العربي، بيروت، لبنان، ط1، 1420هـ/ 2000م: 100.

(2) البرهان في علوم القرآن 1/ 169.

(3) بحوث في تفسير القرآن (سورة المدثر) ، جمال الدين عيّاد، ماجستير في الدراسات العربية والإسلامية من الجامعة الإِمريكية بالقاهرة، دار الحمامي للطباعة، 1386هـ/ 1967م: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت