وظلالها. إِنَّ بدايتها تُعرضُ وكأَنّها جديدة تروّع الحس بروعةِ المفاجأَة، وتهزُّ النفس هزًَّا، وترجُّها رجًّا، وتُثير فيها رعشةَ الخوف، وروعة الإِعجاب، ورجفة الصحو من الغفلة على الأمر المهوّل الرهيب )) [1] .
سورة القلم:
لم يتطرّق معظمُ المفسرين الى حرف (النون) في أوّل سورة القلم بل اكتفوا بالإشارةِ الى أَنه من حروفِ الهجاء وكفى. وكما اعتدنا عليه من متابعة الحرف الافتتاحي مع مضمون السورة نجد السورة بعد أَن تبدأ بذكر حرف (ن) تُخبرُ النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) ببراءته من الجنون الذي اُتهِمَ به، وأنَّ له من الأَجر ماليس بممنون، ومن ثَمَّ يبدأ الوعيد ويتدرج ذكرهُ شيئًا فشيئًا حتى يبلغَ ذروته بقوله تعالى: (( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ) )القلم/44، ثم تذكر السورة المباركة لوم الكفّار لأنفسهم وهذا اللوم يأتيِ بكلماتٍ تختتم بالنون كقولهم: (ظالمين، يتلاومون، طاغين، راغبون، يعلمون) وتستمرُ السورة بمعانيها السامية حتى تصلَ خاتمتها فتنفي الجنون عن النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) وتثبت الذكرَ للعالمين. فابتدأت السورة بحرف النون يليها نفي الجنون واختُتمِتْ السورة بالحرف ذاتهِ والنفي ذاتهِ. لو تأملّت السورة المباركة تلاحظ أَنهَّا تذكر صفةَ خلُقِ النبي (( - صلى الله عليه وسلم -) وتذكر بعض صفات المتقين، ثم تنتقلُ الى الوعيد الذي طغى على السورة، وقد جمعت السورة هذين الغرضين وكان حرفا النون والميم مسيطرين على اواخر الكلمات. وهذان الحرفان من الحروف المتوسطة بين الشدة والرخاوة [2] وقد جمعت السورة الشدة والرخاوة في ذكر الكافرين. وتلك الشدة متمثلةً بوعيد الله سبحانه لهم، والرخاوة تمثلت في ندم الكافرين على ما ارتكبوه من آثام، مضافًا الى هذا
(1) في ظلال القرآن للسيد قطب، طبع بدار احياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاؤه، ط2، د. ت: 26/ 154 - 155.
(2) ينظر: الدراسات اللهجية والصوتية عند ابن جني، حسام سعيد النعيمي، دار الرشيد للنشر، منشورات وزارة الثقافة والاعلام، الجمهورية العراقية، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1980م: 315.