لألفاظ القيامة قد توافقت مع الشدة الدلالية، وهذا غايةُ في تلاؤم الصوت ودلالته على المعنى الحقيقي.
قوَّة الألفاظ
لو أنعمت النظر في الكتاب العزيز تجد منزِّلَ هذا الكتاب اختار له الفاظًا تُوحي لمعان مؤثّرة في النفس الإِنسانية، ولو اُستبدل ذلك اللفظ بغيره- وإنْ كان يؤدي معناه- تلاحظ المكانة التي كان الأَول يحتلُّها تضاءلت عند نزول الثاني محلَّه، وهذا واضحُ لاغبارَ عليه عند الجميع. فلنتأملْ معًا بعض آيات الكتاب العزيز ليتبيّن لنا مدى تناسب الأَلفاظ لمواقعها من جهة، وبين مكوّنات الكلمة (الأصوات) للمواقع التي احتلتها من جهةٍ أُخرى، وهذه دراسة تطبيقية لبعض آيات التحذير والوعيد.
قال تعالى: (( أو كصِّيب من السماء فيه ظلماتُ ورعدُ وبرق يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيطُ بالكافرين ) )البقرة 19. مما لا يخفى عليك أَنَّ الآية المباركة تصف حال المنافقين حين أُحِيطت بهم أنواع المخاوف والأَهوال، وقد اعتمدت الآية المباركة الفاظًا تُوحي بشدة ذلك الهول. مبتدئةً بلفظة (صيِّب) ، فلنتأمّل معًا ما قيل في هذه اللفظة التي اُستعملت في سياق التخويف. قال الراغب الأصفهاني (ت502هـ) : (( الصيِّبُ: السحابُ. وقيل: المطرُ، وتسميتهُ به كتسميته بالسحاب ) ) [1] . وهذا السحابُ أَو المطر النازلُ من السماء ترافق نزوله أَصوات واضطرابات مخيفة مرعبة نتجت من الرعد والبرق، هذا الحال اجتمع ليكوّن لنا مشهدًا وصفه سيد قطب بقوله: (( مشهدُ عجيب، حافلُ بالحركة، مشوبُ بالاضطراب فيه تيه وظلال، وفيه هولُ ورعب، وفيه فزعُ وحيرة، وفيه أضواء وأصداء،( ... ) ، هو مشهدُ حِسّيُ يرمز لحالة نفسية، ويجّسمُ صورةً شعورية توضّح أَحوال النفوس، كأَنَّها مشهدُ حسي )) [2] . هذا المشهد حمله لنا السحاب أَو المطر عند قدومهما، وزاد الموقفَ هولًا إِطلاق لفظة (صَيٍّب) بدلًا من السحاب أَو المطر. لو تدبّرت
(1) المفردات في غريب القرآن 288.
(2) في ظلال القرآن 1/ 50 - 51.