تَبَاكَيْنَ وَأَنَّهُ خَيَّرَ ابْنَهُ عَلِيًّا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَالسَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ فَاخْتَارَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ . فَجَهَّزَهُ إلَى الْمَدِينَةِ جَهَازًا حَسَنًا . فَهَذَا وَنَحْوَهُ مِمَّا نَقَلُوهُ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنْ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ الْمُنْقَطِعِ الْمَجْهُولِ تُبَيِّنُ أَنَّ يَزِيدُ لَمْ يُظْهِرْ الرِّضَا بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْأَلَمَ لِقَتْلِهِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ . وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِ ابْتِدَاءً لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مَا انْتَقَمَ مِنْ قَاتِلِيهِ وَلَا عَاقَبَهُمْ عَلَى مَا فَعَلُوا ؛ إذْ كَانُوا قَتَلُوهُ لِحِفْظِ مُلْكِهِ [ الَّذِي كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ ] الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ الْبَيْتِ . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ نَقْلَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ إلَى الشَّامِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ . فَكَيْفَ بِنَقْلِهِ بَعْدَ زَمَنِ يَزِيدَ ؟ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ: هُوَ نَقْلُهُ مِنْ كَرْبَلَاءَ إلَى أَمِيرِ الْعِرَاقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بِالْكُوفَةِ . وَاَلَّذِي ذَكَرَ الْعُلَمَاءَ: أَنَّهُ دُفِنَ بِالْمَدِينَةِ . وَأَمَّا مَا يَرْوِيهِ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ يُمَيِّزُ بِهِ مَا يَقُولُ وَلَا لَهُ إلْمَامٌ بِمَعْرِفَةِ الْمَنْقُولِ: مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ سُبُّوا وَأَنَّهُمْ حُمِلُوا عَلَى الْبَخَاتِيِّ وَأَنَّ الْبَخَاتِيَّ نَبَتَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ سَنَامَانِ: فَهَذَا مِنْ الْكَذِبِ الْوَاضِحِ الْفَاضِحِ لِمَنْ يَقُولُهُ . فَإِنَّ الْبَخَاتِيَّ قَدْ كَانَتْ مِنْ يَوْمِ خَلَقَهَا اللَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ ذَاتَ سَنَامَيْنِ كَمَا كَانَ غَيْرُهَا مِنْ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ . وَالْبَخَاتِيِّ لَا تَسْتُرُ امْرَأَةً . وَلَا سَبَى أَهْلَ الْبَيْتِ أَحَدٌ وَلَا سُبِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ . بَلْ هَذَا كَمَا يَقُولُونَ: إنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَهُمْ . وَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ النَّقْلِ كُلُّهُمْ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَمَا عَهِدَ إلَيْهِ خَلِيفَتُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَرَأَوْهُ لَيْسَ بِكُفْءِ لَهَا . وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . بَلْ بَنُو مَرْوَانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَا آلِ عَلِيٍّ وَلَا آلِ الْعَبَّاسِ إلَّا زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَصْلُوبَ بِكُنَاسَةِ الْكُوفَةِ وَابْنَهُ يَحْيَى . الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ حُمِلَ إلَى يَزِيدَ فَأَيُّ غَرَضٍ كَانَ لَهُمْ فِي دَفْنِهِ بِعَسْقَلَانَ وَكَانَتْ إذْ ذَاكَ ثَغْرًا يُقِيمُ بِهِ الْمُرَابِطُونَ ؟ فَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ تَعْفِيَةَ خَبَرِهِ فَمِثْلُ عَسْقَلَانَ تُظْهِرُهُ لِكَثْرَةِ مَنْ يَنْتَابُهَا لِلرِّبَاطِ . وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُمْ بَرَكَةَ الْبُقْعَةِ فَكَيْفَ يَقْصِدُ هَذَا مَنْ يُقَالُ: إنَّهُ عَدُوٌّ لَهُ مُسْتَحِلٌّ لِدَمِهِ سَاعٍ فِي قَتْلِهِ ؟ ثُمَّ مِنْ الْمَعْلُومِ: أَنَّ دَفْنَهُ قَرِيبًا عِنْدَ أُمِّهِ وَأَخِيهِ بِالْبَقِيعِ أَفْضَلُ لَهُ . الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ دَفْنَهُ بِالْبَقِيعِ: هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ عَادَةُ الْقَوْمِ . فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي الْفِتَنِ إذَا قَتَلُوا الرَّجُلَ - لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ - سَلَّمُوا رَأْسَهُ وَبَدَنَهُ إلَى أَهْلِهِ كَمَا فَعَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَى أُمِّهِ . وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ سَعْيَ الْحَجَّاجِ فِي قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنَّ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنْ الْحُرُوبِ: أَعْظَمُ بِكَثِيرِ مِمَّا كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ وَبَيْنَ خُصُومِهِ . فَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ادَّعَى الْخِلَافَةَ بَعْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ وَبَايَعَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ . وَحَارَبَهُ يَزِيدُ حَتَّى مَاتَ وَجَيْشُهُ مُحَارِبُونَ لَهُ بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ . ثُمَّ لَمَّا تَوَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ غَلَبَهُ عَلَى الْعِرَاقِ مَعَ الشَّامِ . ثُمَّ بَعَثَ إلَيْهِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ فَحَاصَرَهُ الْحِصَارَ الْمَعْرُوفَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ صَلَبَهُ ثُمَّ سَلَّمَهُ إلَى أُمِّهِ . وَقَدْ دُفِنَ بَدَنُ الْحُسَيْنِ بِمَكَانِ مَصْرَعِهِ بِكَرْبَلَاءَ وَلَمْ يُنْبَشْ وَلَمْ يُمَثَّلْ بِهِ . فَلَمْ يَكُونُوا يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَسْلِيمِ رَأْسِهِ