الصفحة 7 من 17

وقال قتادة رحمه الله: (( إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثِ خِصَالٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَجَعَلَهَا يُهْتَدَى بِهَا، وَجَعَلَهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، فَمَنْ تَعَاطَى فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ رَايَهُ، وَأَخْطَأَ حَظَّهُ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَإِنَّ نَاسًا جَهَلَةً بِأَمْرِ اللَّهِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي هَذِهِ النُّجُومِ كَهَانَةً، مَنْ أَعْرَسَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا، وَمَنْ سَافَرَ بِنَجْمِ كَذَا وَكَذَا وَكَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَعَمْرِي مَا مِنْ نَجْمٍ إِلا يُولَدُ بِهِ الأَحْمَرُ وَالأَسْوَدُ وَالطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ وَالْحَسَنُ وَالذَّمِيمُ، وَمَا عَلِمَ هَذَا النَّجْمُ وَهَذِهِ الدَّابَّةُ، وَهَذَا الطَّائِرُ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَيْبِ وقَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. ) ) [1]

المبحث الثاني

بَيانُ الحُكْمِ الشَّرعِي في تَعَلُّمِ السِّحْرِ

والوَعِيدُ الشَّدِيدُ مِنْ الذَّهابِ إلى السَّحَرةِ والكَهَنةِ والعَرَّافِين والمشَعْوِذِين أو سُؤَالِهم.

من قواعد الشريعة الأصيلة؛ أن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، وإذا كان ذلك كذلك؛ فإن من الصعوبة بمكان إطلاق حكمٍ عامٍ على جميع أنواع السحر، وقد قال القرافي رحمه الله: (( وللسحر فصول كثيرة في كتبهم يقطع من قِبَل الشرع بأنها ليست معاصي ولا كفرًا، كما أن لهم ما يُقطع بأنه كفرٌ؛ فيجب حينئذٍ التفصيل، كما قال الشافعي رضي الله عنه: أمَّا الإطلاق بأن كل ما يُسمَّى سحرًا كفرٌ؛ فصعب جدًا ) ) [2] وقال الإمام النووي رحمه الله: (( قد يكون السحر كفرًا، وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة؛ فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر؛ كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرامٌ؛ فإن تضمن ما يقتضي الكفر؛ كفر، وإلا فلا، وإذا لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عُزِّر واستُتِيب ) ) [3]

ويقول العلامة الشنقيطي رحمه الله: (( التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل؛ فإن كان السحر مما يُعظَّم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، كما دلَّ عليه قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102] ، وقوله تعالى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] ، وقوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102] ، وقوله تعالى: {وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى(69) } [طه: 69] كما تقدم إيضاحه. وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء؛ من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر. هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء ))أهـ [4] فإذا كان ذلك كذلك فمن الصواب أن يقال؛ المتعاطون للسحر على صنفين:

الأول: من لهم صلة بالجن والشياطين، وسحرهم مما يضرُّ ويُمْرِض وربما قتل، وهذا النوع يقوى بحسب قوة الصلة بين السحرة والشياطين، وهذا عين الكفر والعياذ بالله تعالى، وسيأتي بيان حكمه.

والثاني: من سحرهم قائم على مجرد الخِداع والتمويه على الحمقى والسذَّج والمغفَّلين من الناس؛ فيؤثِّر على أبصارهم وأفهامهم، وحكم هذا النوع أنه محرم من كبائر الذنوب. [5]

أما حكم النوع الأول فقد حَكَمَ الله ُعلى مُتعلِّم السحر بجملة من الأمور [6] :

أولًا: الحكم بالكفر؛ فقال سبحانه: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ كَفَرُوا كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (( ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفرٌ ) ) [7] ثمَّ قال سبحانه: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102] قال الحافظ رحمه الله: (( فيها إشارة إلى أن تعلم السحر كفر ) ) [8]

وقال القِنُّوجي رحمه الله: (( الآية دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم التفريق بين المعتقد وغير المعتقد، وبين من تعلمه ليكون ساحرًا، ومن تعلمه ليقدر على دفعه ) ) [9]

ثانيًا: الحكم لمن تعلَّمه بالمضرَّة وعدم الانتفاع، ومصداق ذلك قوله سبحانه: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102] وإذا كان غالبُ الشيءِ ضررٌ حُرَّم وإن كان قليله نافعًا، فكيف بالذي يكون ضررهُ محضٌ؟! وأي مضرَّةٍ أعظم من الكفر. قال الشوكاني رحمه الله: (( فيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة، ولا يجلب إليه منفعة بل هو: ضرر محض، وخسران بحت ) ) [10]

ثالثًا: أن الساحر لا خَلاق له في الآخرة. وقد قال سبحانه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) } [البقرة: 102] ووجه الاستدلال بالآية أن الذي ليس له

(1) تفسير ابن أبي حاتم (11/ 186) تفسير ابن كثير (6/ 207) وقال: (( هو كلام جليل متين صحيح ) ).

(2) الفروق (4/ 141)

(3) شرح النووي على مسلم (14/ 176)

(4) أضواء البيان (4/ 121)

(5) انظر: الكبائر للذهبي (32) و الإعلام بقواطع الإسلام لابن حجر الهيتمي رحمه الله (19)

(6) انظر: تفسير القرطبي لسورة البقرة (2/ 269) آية (102) ففيه تفصيل مفيد جدًا، وإرشاد الناظر إلى معرفة علامات الساحر (11) والصارم البتار في التصدي للسحرة الأشرار (46) وعالم السحر والشعوذة (215)

(7) الفتح (10/ 225)

(8) الفتح (10/ 225)

(9) نيل المرام (21) عن عالم السحر والشعوذة (216)

(10) فتح القدير (1/ 151)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت