فهرس الكتاب
الأمر الثالث: ما يترتب على هذه الأحكام من فقه الدعوة والحركة بالضوابط الشرعية الدقيقة مناطات ومآلات:
ثبوت وصف الانحياش: لأن الكثير من الناس في هذه المجتمعات لا يستطيع أو لا يعرف كيف يعبر عن كرهه وإنكاره لمخاطبه من الأنظمة العلمانية بشرع غير شرع الله، ولأن الناس أخلاطٌ شتى بين من رضي وتابع، ورغب عن شرع الله إلى غيره، أو عدل بشرع الله غيره، وبين من كره وأنكر، ولأن المواقف غير متميزة بتميز ومباينة واضحة بين الفسطاطات أو الانتسابات، فإن ذلك كله أدخل سترًا على الداخلين في ظواهر الرضا والمتابعة، أو الداخلين في ظواهر الشرك والردة، جعل حالهم أشبه شيء بحال الفرق المنحرفة عن الصراط المستقيم، والمبتدعة في أصول كلية من الدين، وهذا الستر في الحالتين هو الذي يعطي هذه التجمعات أو الطوائف وصف الانحياش إلى الأمة حتى مع ثبوت وصف الردة في الآخرة، وهذا مأخوذ من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما خرج إلى المقبرة فقال: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لاحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ إِخْوَانَنَا. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا بِإِخْوَانِكَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ. فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَكَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ فِي خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ، فَليذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ، أُنَادِيهِمْ أَلا هَلُمَّ أَلا هَلُمَّ أَلا