فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 154

ومع ثبوت وصف الانحياش للمجتمعات العلمانية، فقد ثبت وصف الغربة لأهل الحق، وهي غربة يُخشى منها انقطاع الإسلام بالإسراع إلى المفاصلة والاعتزال قبل طلب المؤالفة والإحياء، وإخراج الأمة إخراجًا ثانيًا من حالة الاغتراب وظواهر الشرك، لذا فأهل الحق في حالة ضعف وانكسار الآن، وليسوا في حالة عز واستكبار، وإذا كان الأمر كذلك فالأمر كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الصارم المسلول" في شأن المنافقين: «أن المصلحة الشرعية تقتضي عندما يكون الإسلام في حال ضعف وانكسار أن يعاملهم بقول الله عزَّ وجَلَّ: ( وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (( 1) ، وهذه المصلحة الشرعية هي التي اقتضت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يترك إقامة البينات عليهم حتى لا تثبت عليهم الردة، فيقيم عليهم أحكامها فينفر الناس عن الإسلام لظنهم أنه يقتل قومًا استنصر بهم حتى إذا ظهر بهم جعل يقتل فيهم.

وقال شيخ الإسلام (2) : أنه إذا كان للإسلام عز وتمكين واستعلاء وظهور، فإنه ينبغي العمل حينئذ بقول الله عزَّ وجَلَّ: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (( 3) ، وأن الحكمين باقيان، ولكل حكم مناسبته، وقد يعمل بهما في زمان واحد في مكانين مختلفين حسب الاستضعاف أو الظهور في كل مكان منهما».

ولهذا الاعتبار يا بُنَيَّ أيضًا ينبغي التأني والصبر حتى تتم عملية إحياء الأمة، وإخراج الأمة خير أمة أخرجت للناس كما أخرجت أول مرة على يدي محمد - صلى الله عليه وسلم -. فهما اعتباران يتطلبان الإحياء: الانحياش الثابت (4) لهم والاستضعاف والغربة الثابتة لنا.

وهناك اعتباران آخران هما:

(1) سورة الأحزاب، الآية: 48.

(2) الصارم المسلول، ص312 بتصرف يسير.

(3) سورة التوبة، الآية: 73.

(4) المقصود بالثبوت هو قيام الوصف، وليس المقصود استقراره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت