فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 154

والمسلم قد تحرَّر من الخوف إلا من الله، واستغنى عن المخلوقين بالخالق، فاستغنى واستعفف وتوكل على الله في كل أموره، فلم يستبد به الخوف والقلق، ولم يأخذ بمجامع نفسه، ولم يخلد إلى الاستكانة للأعداء والهزيمة النفسية أمامهم يأسًا من نصر الله، وإذا أحب فحبه لله وفي الله والله ورسوله أحب إليه مما سواهما، يفتقر دائمًا إلى الله ويأنس بالله سبحانه، ولا يستوحش وإن عاش وحيدًا فريدًا معزولًا فهو على صلة دائمة بربه، ولا تستبد به أو تستعبده شهوات البطن والفرج والرئاسة والملك والشرف والمال ومضلات الفتن، فهو كما استعصى على الإضلال يستعصي على الإغواء والاستعباد بالشهوات.

وهو يراقب الله سبحانه وتعالى في السر والعلن، لأنه كما قيل «أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» لأنه يعلم أن الله يعلم السر وأخفى، ولا يحب أن يراه الله على معصية، ولا أن يفتقده في واجب، وعمله كله خالصًا لله متجردًا غير مرائي، يؤثر الآخرة على الدنيا، فما عند الله خير وأبقى، لا يعرف الرياء ولا الكبر ولا العجب ولا الحسد ولا البغي.

والمؤمنون أمة واحد يسعى بذمتهم أدناهم تتكافأ دماؤهم وهم يدٌ على من سواهم، يقاتلون في سبيل الله صفًا كأنهم بنيان مرصوص، ولذا فهم متآخون متراحمون غير متحاسدين ولا متفرقين، يحب أحدهم لغيره ما يحبه لنفسه، يعيشون كنفس واحدة لا يعرفون الأنانية ولا الأثرة ولا الاغتراب والتمحور حول الذات وترك الاهتمام بأمور الغير، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت