فهرس الكتاب
مثال توضيحى: قوله تعالى: ? فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ? (1) .
ففى التفسير أن الصحابة قد اختلفوا إلى فئتين في حكم هؤلاء المنافقين: فئة تراهم كفارًا ويتبرءون منهم، ويقولون: اركبوا إلى الجبناء فانهم يظاهرون عليكم عدوكم. وفئة تراهم مسلمين ويتولونهم، ويقولون: سبحان الله أو كما قالوا, أتقاتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم. فالصحابة الذين تولوا هؤلاء المنافقين لم يتضح لهم مناط مظاهرة هؤلاء المنافقين للكفار, ولما تَبيَّن لهم هذا الوصف تبرءوا منهم, وبالتالى فلم يقع من الصحابة مناط: "ولاء الكافرين"، لأن العلم بكفرهم جزء من المناط المكفر.
أما من تولى الكافرين وهو يعلم أنهم: كفار كفرًا صريحًا ـ ككفر أهل الكتاب ـ لكن لا يعلم أن مولاتهم كفر, فهذا يكفر لأن ولاء الكافرين من الأفعال التى لا تصدر عن قلب فيه إيمان: ? وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ?.
أما من لم تبلغه الدعوة بوجه ولم يسمع لرسول بأى خبر بعد البعثة ـ إن وجد ـ فهو كحال خفاء الدليل مع الانقطاع عن الرسالات، إذا لم يقع في الشرك ففيه القولان: إما أنه ناج بإسلام الفطرة، أو يمتحن في العرصات، وإذا وقع في الشرك ففيه الأقوال الثلاثة: إما أنه معذب لمخالفته ميثاق الفطرة، أو يمتحن في العرصات، أو هو في المشيئة.
الوجه الثانى والثلاثون:
الخطأ والتأويل:
صنف الإمام الشاطبى أهل البدع بين أربعة أحوال (2) :
(1) سورة النساء، الآية: 88.
(2) الاعتصام, جـ2, ص36، ومابعدها بتصرف.